اتصل بي أحد الأصدقاء منذ أيام ليعلمني بخير حزين هزني من الأعماق، فقد أنبأني بانتقال شخص فاضل عزيز على نفسي إلى رحمة الله، قدم لبلده وللحركة التعليمية في المملكة الكثير والكثير.
أخبرت هاتفياً بوفاة العزيز سعد بن صالح السويطي، ولم أجد فور سماع النبأ إلا أن أحمد الله وأسترجع هكذا أمرنا أن نقول عند المصائب ولا نملك غير ذلك فالحياة قطار، لن تدوم الرحلة فيه، كل منا ينتظر محطته، والفارق أننا في هذا القطار لا نعرف محطاتنا وإنما نلبي النداء ونستجيب، وعلى بقية المسافرين أن يقولوا إنما أنتم السابقون ونحن اللاحقون.
الموت حق علينا جميعاً إذن، فكل نفس ذائقة الموت، نحن على يقين تام بذلك، لكنه الفراق، وما أصعب الفراق وبخاصة عندما يكون الشخص المفارق عزيزاً وغالياً، وله أيادٍ بيضاء على من حوله.
وفقيدنا الغالي هو أحد رجالات التعليم في البلاد، زاملته في مجال التربية والتعليم منذ سنوات طويلة، فكان نعم المسؤول، ونعم الزميل، ونعم الصديق. كان قدوة في مجال العمل، وعلى مستوى العلاقات الإنسانية جمع بين العلم والأخلاق وحسن الإدارة، فنعمنا أنا ومن معي من الزملاء بتوجيهاته التربوية التي كان لها أثرها في مسيرة حياتنا التعليمية والإدارية. ومع افتراقنا في مجال العمل، إلا أن شخصيته وتوجيهاته لم تفارق مخيلتي، ولم أنس يوماً درساً تعلمته منه أو توجيهاً تلقيته، ربما أسهمت دماثة أخلاقه في ترسيخ تلك القيم في النفوس وتمكنها من عقولنا وسلوكياتنا، هكذا ينبغي أن يكون رجال التعليم في مجتمعنا، الخلق والقدوة حتى نضمن مسيرة مستقيمة للعملية التعليمية في بلادنا.
إن عطاء السويطي لم يتوقف حتى بعد أن توقف عمله الرسمي بإحالته للتقاعد، وإنما استمر عطاؤه، هكذا يكون «الإنسان النموذج»، الإنسان القدوة، الإنسان المعطاء، ومن تعود على العطاء للناس والوطن، لا تفت في عضده الشكليات والرسميات، فهو معطاء في مدرسته، معطاء في حيه وبين أهله، معطاء بين زملائه وأحبابه وأصدقائه. نعم يا سعد، يا فقيدنا الغالي، الموت حق علينا، ولا رادّ لقضاء الله، فنحن مؤمنون بذلك ولا جدال، لكننا بفقدك فقدنا رجلاً أعطى بلا حدود، قدّم دون انتظار الجزاء أو الشكر، فقدنا نموذجاً وقدوة. أعلم يا فقيدنا الغالي أنك لم تنتظر شكراً من أحد، لكن ربما يمكن أن نكرمك ونشكرك بعد وفاتك.
مجرد اقتراح لوزارة التربية والتعليم ممثلة في إداراته التعليمية: هل يمكن أن يُطلق اسم الفقيد الراحل -يرحمه الله ويسكنه فسيح جناته- على قاعة من قاعات المدرسة التي عمل فيها فترة من الزمن، وتعريف طلاب هذه المدرسة بسيرة هذا الرجل من خلال لوحة متواضعة بالمدرسة، فيها نبذة عن حياته وأعماله؟!
في كثير من الدول التي تقدر العلم ورجالاته، يتم تكريم العلماء ورجال التعليم في حياتهم.. فهل نكرم هؤلاء الرجال، ولو بعد مماتهم؟!.. آمل ذلك.