إننا حقا نعيش عصراً غير مسبوق، عصراً لم يعد فيه المقتول يعرف إن كان الذي قتله عدوه أم صديقه الذي أراد استغلال مقتله، وهو ما حصل في إحدى الدول في التسعينات بعد انقلاب الجيش على نتائج الانتخابات، لتبدأ بعدها حملة قتل جماعي مروع نسب للجماعات المعارضة، ليتبين فيما بعد أن تلك الجماعات كانت مخترقة وأن قوات من الجيش كانت ترتكب تلك الجرائم التي منها ذبح مئات من الأبرياء، وفي الأسبوع الماضي مات عميل سابق للمخابرات الروسية الكولونيل (ألكسندر ليتفنكو) مسموما بلندن، كان قد كشف عن مسؤولية المخابرات الروسية عن تفجيرات مجمعات سكنية -1999-في موسكو أدت لمقتل (300) روسي ليتهم بها الشيشانيون لتبرير بدء حملة روسية وحشية ضد الشيشان. وفي1960 وضعت وزارة الدفاع الأمريكية خطة (نورث ودز) للقيام بسلسلة عمليات إرهابية وخطف لطائرات وتفجيرات في أمريكا يقتل فيها أمريكيون ليتهم بها الكوبيون لحشد الرأي العام لغزو كوبا، وفي أوروبا كان هناك (برنامج جلاديو) برعاية المخابرات الأمريكية والناتو للتصدي للمد اليساري، وفي(1990)أصدر البرلمان الأوروبي قرار إدانة للبرنامج وطالب بالتحقيق في جرائمه التي امتدت لأربعين عاما وتضمنت رعاية الحكومات لأعمال إرهابية كتفجير قطارات ومرافق عامة وقتل طلاب مدارس فقط لاتهام اليسار بها لتأليب الرأي العام ضده، وحسب مصادر صحفية فهذا البرنامج تحول بانتهاء الحرب الباردة من استعداء اليسار إلى الإسلاميين، وكشف الصحفي الأمريكي سيمور هيرش - يناير2006 «نيويوركـــــــر» - أن البنتاجـــون بدأ بتنفيذ برنامج (مصفوفة الهجوم العالمي الشامل) في عشر دول والهدف كما نقل عن مسؤول في البنتاجون(تجنيد مواطنين محليين والطلب منهم الانضمام إلى الإرهابيين والقيام بعمليات إرهابية) وزعم (وين مادسون)ضابط استخبارات سابق في وكالة الأمن القومي الأمريكي أن الاستخبارات الأمريكية وتحت هذا البرنامج قامت باغتيال شخصيات عديدة. كما أن المخابرات العسكرية الأمريكية أنشأت وحدة «مجموعة العمليات الترصدية الاستباقية» التي تهدف للقيام بعمليات تستفز ردات فعل من الجماعات الإسلامية لتعرضها للكشف والاستهداف كما في وضع التهييج الطائفي بالعراق الذي يستخدمه الاحتلال لتصفية مناهضيه من الشيعة والسنة عبر استفزاز بعضهم لبعض، فعندما يريد الاحتلال ضرب طرف أو استفزازه ليكشف عن نفسه يسهل وقوع عمليات طائفية ضده، وبالنسبة لأحداث11سبتمبر فقد كشف الكولونيل (توني شافير) من الاستخبارات الأمريكية أنهم رصدوا وتابعوا خليتين من الخلايا الثلاث التي قامت بالأحداث لكنهم مُنعوا من تمرير هذه المعلومات للجهات المعنية لاتخاذ الإجــــراءات اللازمـــة لوقفهم، وفي منتصف القرن الماضي قامت إسرائيل بحملة تفجيرات ضد المصالح اليهودية في العراق وغيره لدفع اليهود للهجرة لإسرائيل. وتسمى هذه العمليات في الأدبيات الاستخباراتية بـ(false flag) «العلم الزائف» باعتبار أنها تنسب لجهة غير التي قامت بها، إنها حقيقة العصر المادي، لا قيم ولا مبادئ، فقط مصالح أنانية عمياء.
bushra_sbe@hotmail.com