كتبت منذ فترة محذراً من أن الجوال بأيدي الأطفال خطر، وأعود اليوم لأؤكد: «الجوال بأيدي الأطفال: خطر خطر خطر» لكني هنا لا أقصد الطفولة العمرية، بل الطفولة الفكرية، فقد يبلغ الرجل منا أو المرأة مرحلة النضوج والبلوغ والرشد لكن سلوكيات الطفولة وأفكارها تظل مسيطرة علينا وربما صدق هؤلاء الذين ذهبوا إلى أن بداخل كل إنسان طفلاً، يظهر في العديد من سلوكياتنا في أحيان كثيرة.
تلك مقدمة لابد منها بعد أن انتشرت ظاهرة مقلقة للغاية تتمثل في أن يرسل الرجل رسالة على الهاتف الجوال يبلغ فيها زوجته بطلاقها!!
أي والله، هكذا يفعل بعض الرجال «الأطفال».
كان البعض قبل اختراع الجوال، يرسل رسالة بريدية ربما عبر فيها عن أسباب الطلاق، وواسى فيها زوجته لكن في ظل عصر السرعة، لم تعد الزوجة، ربة البيت وأم الأبناء والبنات، تستحق أكثر من سطر أو سطرين، ليبلغها زوجها بأنها حياة، وتدمير أسرة وتشريد وضياع أبناء.
هذا السلوك الطفولي، الذي لا يقدر الحياة الزوجية ولا يعرف قيمتها، ينتشر بين الشباب حديثي العهد بالزواج يقلدون بعضهم البعض وكأن هذا الأمر أصبح وبكل سهولة تسلية.
وهؤلاء الذين يمارسون «طلاق الجوال» لم يعرفوا أصلاً معنى الزواج، حتى يعرفوا معنى الطلاق ونحن هنا لا نحرّم الطلاق، أو نجرّمه، حاشا لله وإنما نستهجن ونستنكر أن يتم بهذه السهولة، وهذه الصورة المشينة التي تعيب الرجل العاقل وتسيء إلى الزوجة، أياً كانت سلوكياتها وأخلاقياتها.
إذا كان لابد من الطلاق لاستحالة العشرة بين الزوجين فليقع الطلاق بصورة تحفظ كرامة المرأة، وتعكس شهامة الرجل و«رجولته» الحقة، وليتذكر هؤلاء العابثون أن كثيراً من الفقهاء قد اشترطوا الإشهاد على الطلاق فمن أشهد هؤلاء السفهاء على طلاقهم؟
هل أشهدوا «مركز الرسائل» بخدمة الجوال؟ هل أشهدوا «الرسائل المرسلة» أم «الوسائط»؟
لا أظن أن مخترع الهاتف الجوال، مهما كان دينه ومذهبه توقع أن يُستغل اختراعه على هذا النحو، وعلى تلك الشاكلة، وربما لو علم أو توقع لتوقف عن اختراعه، فكم من إبداع علمي، تم استيراده من الغرب، لاستخدامه في بلادنا على غير ما جعل له.
«الكمبيوتر»، «النت»، «الجوال»، وغيرها من مستحدثات جعلت في الأصل وسيلة للتقارب والاتصال فحولناها إلى أداة للتباعد والانفصال.
لقد بات إثم «الجوال» أكثر من نفعه في بلادنا، ومطلوب أن نعود إلى صوابنا، ونستفيد من كل ما هو جديد من خلال إطار أخلاقي إسلامي، وإلا بات -من المكروه على أقل تقدير- استخدام مثل هذه الوسائل.
مطلوب الاهتمام بتربية أبنائنا وشبابنا، وإرشادهم إلى أن قضايا الشرع، وأمور الأسرة، أقدس من أن تكون مجالاً للعب واللهو والاستهزاء.