أهي حقيقة أم خيال، أم صور وأفلام سينمائية؟!
أكاد لا أصدق ما يجري على أرض العراق!! أإلى هذا الحد يصل أمر الهوان بالإنسان، فنراه يُقتل، وتُستباح دماؤه؟ عشرات، بل مئات يتساقطون صرعى يومياً، نرى صورهم البشعة، تحكي مآسي مؤلمة، أصبحت تؤرّق كل من يحمل بين جوارحه مثقال ذرة من إيمان وإنسانية، وعروبة.
لم أكن أتوقع حين شاهدت مجموعة من المواطنين العراقيين على شاشات إحدى الفضائيات، يتجمعون حول نهر دماء اخوتهم وذويهم، فيا لها من لحظات قاسية، حين يقف الإنسان حول دماء أحبته وأهله..
عربات تمر أمام عيوننا عبر الشاشات، تحمل أناساً، بعضهم فوق بعض، قتلى وجرحى، وكأنها لحوم قدمت لتوها من المجازر والمسالخ..
فهل هذه هي الحرية.. وتلك هي الديمقراطية؟!
لقد أثبت الساسة والمؤرخون فشل غزو العراق من قبل أمريكا وأن الفشل هذا قد تسبب في زرع الفتن والقلاقل والمخاوف بدلاً من الحريات والديمقراطية التي تم استيرادها من بيئة مخالفة، وفكر مغاير.
يقول قائد عسكري ألماني يدعى هارالد كريات: «لقد انهار التحالف الغربي في العراق، وإن موعد انسحاب القوات البريطانية والاسترالية قد بات مسألة وقت، وإن من اشترك في غزو العراق، ارتكب خطأ فادحاً بتلك المغامرة، إذ إن سياسة إرساء الديمقراطية والحريات العامة في ذلك البلد، فشلت فشلاً ذريعاً، وكانت نتيجتها إحلال الخوف مكان الأمن».
هذا رأي الذين وقفوا إلى جانب الغزاة في البداية، ظناً منهم صدق مزاعمهم في نشر الديمقراطية والحرية ،فلما تبين لهم عكس ذلك، اعترفوا بالحقيقة، في الوقت الذي مازال بعض العرب، بل ومن العراقيين أنفسهم، يعتقدون بصدق مزاعم الغزاة.
لم تستطع دول التحالف، ولن تستطيع، ضبط الأمن، إلا إذا تركت شعب العراق وشأنه، يختار حكامه وقادته، بل ويُحدد نهج حكمه، فتلك مصائر الشعوب، يُحددها أبناؤها من ذوي الضمائر الحية.
إن التخلص من شخص حاكم العراق، مهما كانت آثامه وأفعاله، لا يكون على الإطلاق بالتضحية بشعب كامل، وأمة عريقة، وحضارة مزدهرة، استمرت على أرض الرافدين منذ آلاف السنين قبل الميلاد..
شباب يشوه، ونساء تنتهك حرماتها، وشيوخ تمتهن شيبتها، وأطفال يتيتمون، أوصال وأشلاء تتناثر، تختلط بعضها ببعض، لتثبت أن الشعب واحد، حتى وإن قتلوا أفراده.
لماذا لاتُوقف الديمقراطية المستوردة، والحرية المزعومة، كل هذه البشاعة، وتضمد الجروح، وتنهض بالأمة؟ ألم يخلص الغرب العراق من الاستبداد؟! ألم يعده بالحرية والديمقراطية؟! ألم يُؤمله في غدٍ مشرق، ومستقبلٍ وردي؟!
إننا نعاني مع شعب العراق، ونشعر بما يشعر به من ألم ومرارة، بل بتنا نخشى على أبنائنا هول ورعب وفزع ما يحدث في العراق، ويرونه على الشاشات، مما قد يصيبهم بالأمراض النفسية، ناهيك عن الكراهية لمن كانوا وراء ما يحدث لأهل هذا البلد الشقيق.