في المقال السابق تناولنا إنشاء المخابرات العسكرية الأمريكية لوحدة «مجموعة العمليات الترصدية الإستباقية» P2OG التي تهدف للقيام بعمليات سرية تستفز ردات فعل من الجماعات الإسلامية مما يعرضها للكشف والاستهداف من قبل القوات الأمريكية، وتتراوح تلك العمليات الاستفزازية ما بين الدعاية المضادة والاغتيالات كما في قصف المدرسة الشرعية في باكستان إلى اختراق تلك الجماعات وتحريضها للقيام بأعمال إرهابية تستعدي عليها الرأي العام والجهات الرسمية بالإضافة إلى تكوين مليشيات من اتجاه أيديولوجي مضاد ومتطرف، وللأسف فأمريكا حولت العراق لساحة لتطبيق هذه السياسة الملتوية لتصفية ما تسميه «بالفاشية الإسلامية» في المنطقة، وكانت أمريكا قد طبقت سياسة مماثلة في أوربا وفيتنام وأمريكا اللاتينية لمواجهة المد اليساري، وفي العراق أعادت تعيين الطاقم الذي كان مسئولا عن هذه السياسة في أمريكا اللاتينية ابتداء من أول سفير أمريكي عين بعد الاحتلال «جون نيجروبونتي»إلى طاقم المستشارين الذين يشرفون على الأجهزة الأمنية التي بات معروفا ارتباطها بفرق الموت والقتل الطائفي الذي أخذ شكلا منهجيا منظما مع وصول نيجروبونتي للعراق-2004-وهو الذي كان شخصيا مسئولا عن تحويل الهندوراس أثناء وجوده فيها كسفير لقاعدة تأسيس ميليشيات وفرق موت يمينية لتصفية اليسار في أمريكا اللاتينية بنفس أساليب الفتنة والإرهاب التي نراها الآن في العراق، وقبل حوالي الأسبوعين وقع حدث ملفت بدا مفضوحا تماما لجهة تطبيقه لبرنامج P2OG فإثر تعرض جندي أمريكي للاختطاف من قبل إحدى الميليشيات، قامت القوات الأمريكية بمحاصرة مدينة الصدر مقر الميلشيا وبعض فرق الموت التي تقوم باختطاف العراقيين لدوافع طائفية من بيوتهم ومن المستشفيات وتعذبهم وتقتلهم وترمي جثثهم في المزابل والشوارع، وطوال سنة كاملة من الوتيرة المتصاعدة من الجرائم الطائفية لم تقم القوات الأمريكية بأي تحرك ضد فرق الموت المعروفة في تلك المنطقة وغيرها، وبعد أسبوع من الحصار الأمريكي المحكم على مدينة الصدر حصل انفجار فيها وسط تجمع لعمال البناء وأدى لمقتل 29 شخصاً ولأن أهل المدينة كانوا يعايشون طبيعة الحصار المحكم على كل منافذها وحظر التجول المفروض خارجها فقد كانوا يعرفون استحالة إدخال أي متفجرات إليها ولهذا نقلت الأخبار اتهام الأهالي للأمريكيين بالقيام بهذا الانفجار، لكن وكالعادة اتهم الأمريكيين جهات سنية به، وفي اليوم التالي رفع الحصار عن مدينة الصدر، وكأن الأمريكيين بعد أن قاموا ولمدة أسبوع كامل بتمشيط مدينة الصدر برا وجوا ولم يعثروا على جنديهم المفقود ولا على العناصر القيادية في الميليشيا أرادوا استفزاز المليشيا بذلك التفجير لتخرج من مخابئها لتقوم بردات فعل ضد الطرف السني وبهذا تكشف نفسها للأمريكيين، ولهذا رفع الحصار في اليوم التالي للانفجار، ولو تتبعنا هذا النمط في إحداثيات أعمال العنف الطائفية واستغلال الاحتلال لها لرأيناه واضحا وقد أشار إليه صحفيون مثل «سيمور هيرش»، ونذكر حادثة القبض على جنديين بريطانيين في البصرة-2005-كانا يقومان بزرع متفجرات في معلم شيعي متنكرين بملابس عربية ومعهم سيارة محملة بالمتفجرات. فهناك فريق في إدارة الاحتلال يؤمن بنموذج استعداء أبناء الوطن ضد بعضهم «فرق تسد»وعلى رأس هؤلاء نيجروبونتي وقد رأينا عندما توترت العلاقة مؤخرا بين السفير الأمريكي الحالي زلماي زاد وبين الرئيس العراقي المالكي بسبب محاباة الأخير للمليشيات المتهمة بالإرهاب الطائفي وتحديدا في مدينة الصدر، قام نيجروبونتي الذي صار الآن رئيسا للمخابرات بزيارة العراق وأوقف زلماي عن المطالبة بردع المليشيات والعناصر الأمنية المتحالفة معها، فعادت المليشيات لنشاطها الإرهابي بوتيرة أكثر تصاعدا حيث أنها تقوم بأعمالها الإرهابية في فترات حظر التجول وبحضور القوات العراقية والأمريكية.
bushra_sbe@hotmail.com