(ساوث بارك) برنامج كرتوني أمريكي ساخر يحظى بشعبية عالمية واسعة، وهو يسخر من كل شيء بما في ذلك الأديان والشخصيات الدينية، لكن في الأسبوع الماضي تم إلغاء عرض حلقة حظيت بشعبية واسعة لأنها تسخر من طائفة مسيحية مستحدثة تدعي سينتولوجي ينتمي لها عدد من المشاهير كالممثل الأمريكي (توم كروز) الذي يبلغ أجره عن الفيلم الواحد حوالى 35 مليون دولار والذي هدد بوقف المشاركة في الحملة الترويجية لفيلمه الأخير «المهمة المستحيلة 3» إذا تمت إعادة عرض هذه الحلقة مع العلم أن الشركة المنتجة للفيلم هي مالكة القناة التي تعرض هذا البرنامج الكرتوني وهناك ممثل رئيسي آخر انسحب من البرنامج احتجاجاً لانتمائه لهذه الطائفة، ومع أن لهذه الطائفة سمعة سلبية لدى الشعب الأمريكي لكن تم إلغاء عرض الحلقة بسبب نفوذ الأشخاص الذين ينتمون إليها والذين لم يترددوا في وضع مصالحهم على المحك والوقوف بكل ثقلهم لنصرة معتقدهم، وهذا ما تفتقده بشكل رئيسي حملات نصرة النبي عليه الصلاة والسلام التي جاءت رداً على حادثة نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة، فكل ثقافة أو معتقد يحتاج لوجه عالمي شهير ومحبوب وله وزنه العالمي ليكون سفيراً وظهيراً له ولبني قومه وللأسف أن أقليات صغيرة تتمتع بهذه الميزة بينما أكثر من مليار مسلم ليس لهم وجه واحد عالمي له من المكانة والقبول العالمي الشعبي والالتزام بقضايا دينه ما يجعله جسراً بين أمته والعالم، ومع التقدير للنية الطيبة التي كانت وراء المبادرة الفردية التي قام بها عدد من الدعاة المعروفين تجاه الدنمارك، إلا أن تأثير مبادرتهم محدود جداً وسطحي وآني، ثم أين هو دور أموال أثرياء المسلمين؟! فحتى الآن لم نسمع عن فيلم وثائقي واحد قررت جهة إسلامية انتاجه عن النبي عليه الصلاة والسلام والأدهى أن القنوات العربية عندما تريد الاحتفاء بالنبي لا تجد إلا الفيلم الوثائقي الأمريكي (محمد.. تراث نبي) (2002) للأمريكي مايكل وولف والذي أنتجه الأمريكيان مايكل شوارتز وألكسندر كرومر بتكلفة 5 ملايين دولار، فليس هناك أي مسعى منهجي حقيقي لبناء صورة متكاملة للنبي عليه الصلاة والسلام في الوعي العالمي، ولا زال التوجه السائد هو على عادة الإعلام العربي يعتمد أسلوب الحكي والكلام، والغرب الذي اعتاد على البرامج المنتجة بحرفية وتقنية عالية لا يجذب اهتمامه شخص غريب مجهول بالنسبة له بهيئة غربية يحكي له عن دين قد ترسخ لديه انطباع سلبي عنه عبر انتاج إعلامي وفني وسينمائي بالغ التطور والإبهار، كما أن شعار (إلا الرسول) الذي تحمله حملة النصرة يحمل طابعاً إشكالياً من جهتين، فمن الجهة الإسلامية، ومن وجهة التحليل النفسي يعبر عن نفسية أمة تشعر أن كل شيء يخصها ويعز عليها قد انتهك واستبيح وأهدر وهي سكتت على كل ذلك حتى تمادى الأمر ووصل الانتهاك لمقام النبي عليه الصلاة والسلام، فظاهر الشعار يعبر بالفعل عن تعظيم وإيثار لمقام النبي عليه الصلاة والسلام لكن خلفيته النفسية تعبر عن واقع أمة تشعر بالاستسلام والانهزام النفسي الداخلي أمام انتهاك وضياع كل ما يخصها، وهذه بالطبع رسالة سلبية وما كان النبي عليه الصلاة والسلام ليرضاها وهو الذي علم حتى الخاطئين من المسلمين كيف ينتقون الألفاظ التي يصفون بها أنفسهم حفاظاً على الخلفية النفسية لكل لفظ، لأن للكلمة تأثيرها الجذري على توجيه بوصلة الإنسان النفسية والسلوكية، أما الوجه الآخر الإشكالي لهذا الشعار فهو لجهة الغرب، فالغرب لن يفهم هذا الشعار بالإطار الذي يقصده القائمون عليه، إنما سيفهمونه على أنه شعار ذو طابع عنصري، يقصد به أنه يمكن امتهان كل الأديان والرموز المقدسة إلا النبي محمد، وهذا بالطبع ما لا يقصده القائمون على هذا الشعار، لكن هكذا يبدو للآخر، وإن دل هذا على شيء فهو يدل على عدم وجود منهجية مؤسساتية عملية علمية في حملات نصرة النبي عليه الصلاة والسلام التي نقدر جميعاً النية الطيبة التي وراءها لكن يؤسفنا أن تكون مفتقدة لعناصر الفاعلية المطلوبة لتحقق الغاية المرجوة منها.
bushra_sbe@hotmail.com
ص.ب 6123 مكة