نظرتُ إلى الناس من حولي، في شتى أصقاع العالم، فوجدت أفراداً وجماعات تنطلق في سباق محموم، وكفاح مرير، للوصول إلى هدف رخيص، لا يستحق هذا السباق، وهذا الكفاح؛ إنه السباق من أجل الوصول إلى أكبر قدر ممكن من زينة الحياة الدنيا، ومتاعها الغرور. هذا السباق أراه زائداً عن حده، بل بلغ بأصحابه مبلغا جعلهم لا يعرفون من هذه الحياة إلا السعي لتحقيق هذه الزينة، وهذا المتاع، حتى بات المتسابقون فيما يتاح لهم من وقت مستقطع للراحة في فترة السباق، لا يفكرون إلا في كل ما يتعلق بهذا الصراع الذي -وللأسف الشديد- لا نهاية له، فهو سباق مفتوح إلى هدف غير ثابت، كلما هرول المتسابق تجاهه شعر أن الهدف يزداد بعداً، ومن هنا سيطر القلق والخوف على المتسابقين، وتكاثرت الهموم في الساحة، ويقيناً أنه لا رابح في هذا السباق. هناك إحصاءات تشير إلى أن شخصاً من كل عشرة أشخاص من الأمريكيين مُعرض للإصابة بانهيار عصبي نتيجة القلق في الغالب. وتشير إحصاءات أخرى إلى أن ثلث رجال الأعمال في أمريكا -أيضاً- يعانون من أمراض ناتجة عن توتر الأعصاب، مثل اضطراب القلب، وقرحة المعدة، وضغط الدم. كما أن أربعة من كل خمسة مرضى، ليس لمرضهم سبب عضوي على الإطلاق، وإنما هو نتيجة الخوف والقلق والبغضاء وعجز الشخص عن الملاءمة بين نفسه والحياة.
هذا كله من نتائج هذا السباق المحموم، لتحقيق أكبر قدر ممكن من زينة الحياة الدنيا، المال على وجه الخصوص. والمسألة لا تتوقف عند الأفراد، بل إن الدول، من أجل تحقيق مكانة متقدمة في هذا السباق أيضاً، تخوض حروباً، وتدخل في صراعات، ومن ثم تعيش الدولة بأسرها حالة من القلق الجماعي، الذي تدفع لعلاجه أكثر مما تجنيه في سباقها. وأنا أرى أمامي حلبة الصراع، أتذكر ما رواه الحاكم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من جعل الهم هما واحداً، كفاه الله هم دنياه، من تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك». وأذكر قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي: «تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه، جمع الله له أموره، وجعل غناه في قلبه..».
مثل هذين الحديثين الشريفين، لا يفهم منها دعوة للخمول وتثبيط الهمم، وإنما مجرد تعديل في سلم الأولويات لدى الإنسان، إذ عليه أن يؤخر الاهتمام الدنيوي، الاهتمام بالزائل، ويقدم الاهتمام بالثابت والرواسخ والباقيات. توجيه نبوي شريف، يُعالج أمراض العصر قبل أكثر من 1400 سنة، يتم من خلاله بث السكينة في النفوس، والقضاء على جراثيم الطمع، واستئصال أسباب وموجبات الألم التي تحاصر الإنسان المعاصر. ينبغي أن نفهم التوجيهات النبوية الكريمة في إطار العلاج الإسلامي لأمراض البشرية.. فليس المقصود, هو إبطال السعي الدنيوي وإنما المطلوب هو تهذيب هذا السعي. نعم، المال مطلوب لقيام أمور الحياة، لكنه ليس هو الحياة ذاتها، وفي سبيل الوصول إليه لا مانع من التنافس والكفاح، فالمال ينبغي أن يكون عند المسلم وسيلة لا غاية. المال مطلوب لكي يُنفق على شؤون الحياة، لتعزيز نهضة المجتمعات وأمنها وازدهارها واستقرارها، لا لكي يُختزن ويُكنز.. المال مطلوب لسعادة الإنسان، لا لشقائه، المال مطلوب لحياة الإنسان ولازدهار البشرية، لا لموتها ودمارها..