لا أظن أن أحدا في وطننا، بل وفي أغلب دول العالم، إلا وقد سمع مقولة أن المعرفة الحاسوبية قد أصبحت من أهم المعارف في عصرنا الراهن، وأن الحصول على أي وظيفة قد أصبح يستلزم أن يكون الشخص عارفا بكيفية استخدام الحاسوب، وأن الحفاظ على الوظيفة لمن يعمل يحتاج إلى التطوير الدائم لمعارفه الحاسوبية، بحيث يتواءم مع الجديد منها. ولا بد أن الكثيرين قد سمعوا بمصطلح الأمية الحاسوبية، والذي أصبح يتم تداوله في العديد من المقالات والمؤتمرات الحاسوبية على مستوى العالم، فقد أصبحت الأمية الحاسوبية مثل أمية القراءة والكتابة، فكلتاهما تبعث على القلق وتحتاج إلى استنهاض الهمم للقضاء عليها.
فإذا كانت أمية القراءة والكتابة تؤدي إلى تدني قدرات القوى البشرية وانخفاض مستوى الإنتاجية، بالقياس إلى متطلبات التنمية في شتى المجالات، هذا فضلا عن ضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه النفس والمجتمع وصعوبة التعامل بين الشخص الأمى والآخرين، فإن الأمية الحاسوبية قد أصبحت تؤدي إلى نفس النتائج في ظل انتشار التكنولوجيا في كل مجالات الحياة المجتمعية، واعتماد الأعمال على الحاسوب، وتحول العديد من الخدمات التي تقدمها الدولة إلى خدمات إلكترونية من خلال الإنترنت، الأمر الذي جعل محو الأمية الحاسوبية ضرورة، سواء لكبار السن لكي يستطيعوا الوصول إلى الخدمات الحكومية والقيام بمعاملاتهم الإلكترونية بأنفسهم عبر الإنترنت، أو للشباب في مراحل التعليم المختلفة لأهمية ذلك في التواصل المجتمعي وفي بناء مستقبل وظيفي أفضل.
وكما تتعرض أنشطة محو أمية القراءة والكتابة للعديد من المعوقات، والتي من أهمها تواجد الأميين في الأماكن المهمشة والنائية وانشغالهم بمتطلبات الحياة اليومية وخجلهم من الإفصاح عن أميتهم، وعدم إدراكهم لأهمية ذلك، فكذلك أصبح الحال بالنسبة للأمية الحاسوبية.
وفي كثير من دول العالم عندما يتعذر حصول الأفراد على ما تتيحه لهم الدولة من خدمات صحية وتعليمية، فإن أجهزة الدولة تقوم باتباع طرق مبتكرة توصل بها الخدمات إلى مستحقيها، ومن هذه الطرق إعداد قوافل صحية أو تعليمية أو ثقافية أو غير ذلك.
وفي المملكة، تعد الاتصالات وتقنية المعلومات ركيزة أساسية في الخطط الاستراتيجية للدولة، وقد أولتها حكومة المملكة أهمية خاصة، إذ ركزت عليها في العديد من خطط التنمية الخمسية، والخطة الوطنية الشاملة للعلوم والتقنية بعيدة المدى، وكذلك الخطط التطويرية للقطاعات الخدمية، وكان من ضمن أهداف الخطة الوطنية للاتصالات وتقنية المعلومات «تمكين شرائح المجتمع في جميع أنحاء البلاد من التعامل مع الاتصالات وتقنية المعلومات بفاعلية ويسر لردم الفجوة الرقمية». وفي إطار الجهود المخلصة لمؤسسات الدولة في هذا الإطار، فإن وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات ــ وقد تسلحت بالعزيمة على خوض غمار ما يدخل في اختصاصها من المشكلات التي تواجه المجتمع ــ قامت بالمشاركة بحلول عملية تواجه الواقع ولا تنأى بنفسها عنه، وتضع بها موارد الدولة في المسارات الصحيحة، فكانت مبادرتها بمشروع إبداعي لمحو أمية الحاسب الآلي في السعودية يعتمد على القوافل الإلكترونية المتنقلة، وذلك في إطار مشاريع الخطة الوطنية للاتصالات وتقنية المعلومات «تحول». وهو مشروع يوفر البيئة التدريبية المناسبة لتعلم المهارات الأساسية لاستخدام الحاسوب في المناطق الريفية ومحدودة الدخل التي لا تتوافر فيها معاهد ومراكز تدريب، ويعرف ساكني هذه المناطق بمشاريع التعاملات الإلكترونية الحكومية في المملكة، وبكيفية الاستفادة بهذه المشاريع.
وقد جابت تلك القوافل نحو 167 مركزا وقرية في أنحاء المملكة قطعت فيها أكثر من 115 ألف كيلو متر لإنجاز تلك الرحلات التدريبية، وهي تستهدف الوصول إلى حوالي 36 ألفا من طلاب المرحلة الابتدائية والمتوسطة في التعليم العام الذين ليست لديهم خبرة في استخدام الحاسوب، وذلك من خلال عقد 2400 دورة تدريبية ضمن 600 رحلة، وقد تم ــ من خلال تلك القوافل حتى الآن ــ تدريب أكثر من 11 ألف متدرب ضمن 787 دورة تدريبية.
ويعرف الخبراء أن تصميم وتنفيذ مثل هذا المشروع ليس أمرا روتينيا أو تلقائيا، فهو يتطلب تعبئة للإمكانات والقدرات، وتنسيقا بين العديد من الجهات، فضلا عن إجراءات عملية تخترق سدود البيروقراطية الحكومية على مستويات متعددة؛ لكي يتم بناء تلك القوافل الإلكترونية في شكل منظومة من الحافلات الحديثة المجهزة على هيئة معامل حاسب آلي متنقلة مربوطة بالإنترنت ومزودة ببرامج وحقائب تدريبية إلكترونية.
إننا، ونحن نتطلع إلى الأمام، نثمن الحلول الإبداعية التي تبعث الأمل، والتي تؤكد أننا على الطريق السليم، وأنه في مقدورنا أن نجعل وطننا يصل إلى مصاف الدول المتقدمة ــ بإذن الله ــ ثم بسواعد أبنائه المخلصين.