سؤال يمثل مفتاحا لعالم من الحقائق التي تكاد تفوق الروايات الخيالية في مدى الجنون والوحشية وهستيريا غرور القوة وهوس السيطرة والسلطة والمصالح الأنانية المغمسة بالدم، فمن حيث المبدأ كان يفترض بوثيقة مكة أن توقف جذريا ما يسمى بالقتل الطائفي في العراق خاصة وأنها حازت علانية على موافقة جميع الفرقاء وكانت فتوى دينية موحدة بتحريم سفك الدم على أساس طائفي وتحريم التعدي على المساجد وكان يفترض أن تكون قدسية المكان والزمان والظرف عوامل مساعدة على الضغط على من يقومون بهذه الجرائم باسم الدين، لكن تلك الجرائم لم تتوقف ولو أن وتيرتها تأثرت آنيا بمهاجمة القوات الأمريكية لمدينة الصدر أحد المعاقل المفترضة لفرق الموت لأن جنديا أمريكياً من أصل عراقي تعرض للاختطاف من قبلها، ولم تتحرك طوال أكثر من سنة من الوتيرة الرهيبة المتصاعدة للعنف الطائفي، فالأمور في عالم اليوم ليست بهذه البساطة، ففي عالم يسوده مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» مهما كانت الوسيلة بشعة وإجرامية، يتأكد لنا أن للعنف الطائفي بالعراق خلفيات تتجاوز الخلفية العقائدية المحضة، خلفيات تؤكد أن القاتل والمقتول من العراقيين ما هو إلا حجارة على رقعة شطرنج في لعبة السيطرة والمصالح الاقتصادية والشخصية المغمسة بالدم للقوى المسيطرة على العراق ومن يدور في فلكها، ومشكلتنا هي الذاكرة قصيرة المدى وهذا ما يعطي الجمهور نوعا من السطحية في تكوين التصورات عن حقيقة الأوضاع وكيفية معالجتها، ولو عدنا بالذاكرة قليلا لمراجعة تاريخ التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية وفيتنام لوجدنا النمط المروع ذاته الذي يطبق الآن في العراق قد طبق بحذافيره سابقا في تلك الدول، وبدل السنة والشيعة كانت الشيوعية والرأسمالية، ففرق الموت في فيتنام التي كانت ضمن «برنامج فينيكس» الأمريكي وفرق الموت في السلفادور أو الكونترا التي كونتها ودربتها ومولتها واستعملتها الاستخبارات الأمريكية كلها قامت تماما بما تقوم به فرق الموت الآن في العراق وكان كذلك يعثر يوميا على عشرات الجثث التي عليها آثار تعذيب، وكذلك الإنفجارات في الأسواق والمرافق العامة، وحتى مسألة قوائم اغتيال العلماء والقيادات الحضارية، لكن وللأسف يغلب على التغطية الإعلامية لأحداث العراق والمنطقة التسطيح والطواف في فلك القوالب الإعلامية الدعائية الجاهزة، والحقيقة أن ما يحدث للعراق هو أمر مروع ومهول وهو جزء من الخطة الكبرى التي وضعها المحافظون الجدد في البيت الأبيض لما أسموه «بالشرق الأوسط الكبير»وهذه الخطة هي من التطرف لدرجة تكاد تكون جزئياتها غير قابلة للتصديق مثل برنامج Worldwide Attack Matrix «مصفوفة الهجوم العالمي الشامل» الذي كشف عنه الصحفي الأمريكي «بوب ودورد» في سلسلة مقالات في الواشنطن بوست-2002-وهو برنامج للاستخبارات الأمريكية لاغتيال الشخصيات التي لا تتوافق مع الرؤية الأمريكية في العالم الإسلامي، وكشف «سيمور هيرش» في «نيويوركر»عن مسؤولية للإسرائيليين والأمريكيين عن «فرق الموت» في العراق وأن أمريكا وكما فعلت في السلفادور وانطلاقا من العراق جندت عناصر محلية لاختراق المقاومة والجماعات الإسلامية والقيام بأعمال إرهابية باسمها في عشر دول.
bushra_sbe@hotmail.com