كم من عاملين وموظفين يقضون ساعات في ساحات العمل ودوائر الوظيفة ولكنهم غير منتجين فهم عاطلون حقيقة، رغم أنهم عاملون وموظفون شكلاً. وكم من عاملين وموظفين اقتصروا على ممارسة العمل خلال ساعات محدودة؛ هي ساعات العمل والدوام الرسمي، فإذا ما عادوا إلى منازلهم، ألقوا بأنفسهم في أحضان البطالة، وتقلبوا بين ردهاتها يقتلون الوقت، ويمارسون الكسل في أبشع صوره، إن أفضل مستنقع تتوالد فيه جراثيم الرذيلة وأسباب الانهيار والفناء هي البطالة.
ولما كانت الآخرة في الإسلام هي حصاد عمل الدنيا، فلنا أن نتخيل كيف يأتي هذا العاطل عند لقاء ربه وقد جاء مفلساً من كل عمل، فإذا فتح كتابه وجده لا يحمل بين طياته سوى نوم وكسل وفراغ و«دش» و«سواليف» هي كلها مظاهر بطالة، لا يخلو مجتمع منها. وإذا كان العمل هو سمة من سمات الحياة، بل ورسالة الأحياء، فإن البطالة سمة من سمات القبور، والعاطلون موتى، قبل أن يزوروا القبور. هل رأى أحدنا قبراً يعج بالحركة، ويموج بالعمل؟! لقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غفلة الكثيرين عن نعمتين عظيمتين هما: نعمة العافية ونعمة الوقت، فقال: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ. وهاتان النعمتان مرتبطتان معاً؛ فمن آتاه الله صحة وعافية، من المفترض ألا يعرف الفراغ في حياته.
قد يعتقد البعض أني أطالب المرء بأن يكون نهاره وليله كداً وكدحاً وصراعاً وكفاحاً، لكنني لا أعني ذلك على الإطلاق، إنما أعني أن لا يكون للمرء منّا «وقت فراغ» من الطبيعي أن يكون لكل منا عمل منتج جاد يستحوذ على حيز كبير من مجهودنا الجسماني والعقلي، لكننا إذا ما أدينا هذا العمل، علينا أن نتجه إلى أعمال أخرى ترفيهية، ذات نفع على الإنسان في ذاته وفي مجتمعه. ولا أقصد بالنفع هنا النفع المادي المباشر وإنما وجوه النفع والفائدة عديدة: مادية ومعنوية. فقد أثبتت دراسات علم النفس أنه من المحال لأي ذهن بشري -مهما كان خارقاً- أن ينشغل بأكثر من أمر واحد، في وقت واحد، ومن هنا وجب علينا إيجاد ما يشغل أذهاننا من أمور مجدية، حتى لا ندعها لما هو غير مجدٍ، بل لما قد يعرضنا للفناء والهلاك. من الصعب أن يسلم الإنسان نفسه للعمل، وللقلق في آن واحد؛ فإما العمل، وإما القلق، ولك أن تختار.
ومع أن إسلامنا لا يعرف ما يُسمى بـ«وقت الفراغ» إلا أننا أكثر خلق الله فراغاً، وهذا واضح في سلوكياتنا، وليحاول كل واحد منا أن يحصي ساعات يومه، كم عمل منها، وكم «تفرغ» فيها؟! الغربيون لا يعرفون ما يُسمى بوقت الفراغ، وعلى سبيل المثال: ترى الرجل المسافر في الطائرة أو الحافلة أو القطار، لا يسلم نفسه للنوم والكسل، ولا يضيع وقته لحكايات وسواليف لا طائل من ورائها مع من بجواره، بل يفتح كتاباً يغوص في صفحاته ساعات طوالاً يقضيها مع خير رفيق، فإذا ما انتهت رحلته، نجده قد خرج منها بفائدة جليلة، بل بفوائد عظام.
قديماً عرف الآباء خطورة الفراغ، وبخاصة فراغ الشباب الأثرياء، وحديثاً، توفر لدى الكثيرين منا نعمة الشباب، ونعمة الثروة، لكن مع نقمة الفراغ.