مع تعدد القوانين واللوائح والتعليمات وما تحتويه من غموض في النص أو قصور في المعالجة أو وجود التعارض أو التداخل أو التباين فيما بينها لدرجة قد تصل إلى إلغاء وتعطيل بعض نصوص القوانين التي هي الأولى بالنفاذ ومن بعدها اللائحة التنفيذية التي يصدرها الوزير لإيضاح آلية تنفيذ النظام وليس تعطيله، ثم التعليمات الصادرة من قبل وكيل الوزارة أو مدير الإدارة العامة وهي التي يجب أن تكون شارحة ومفسرة لنصوص القانون ولكن ما يحدث عملا هو أن هذه التعليمات تتغير تفسيراتها وتطبيقاتها من مديري الفروع ورؤساء الأقسام بالفروع حسب خبراتهم وتنتهي إلى الموظف المعنى بالأمر الذي لا يرى أمامه إلا قانونا ولائحة وتعليمات ونماذج يصعب عليه التعامل معها، وبحكم وظيفته وأكل عيشه فإنه يلتزم بقرار وتوجيه رئيس القسم الذي يعمل لديه وتحت إمرته والمسؤول عن ترقياته وإجازاته وتقرير الكفاية الخاص به للترقى الوظيفي.
وأقول بأن التعامل مع وزارة أو أي جهة حكومية قد يختلف من منطقة إلى أخرى ومن فرع إلى فرع آخر في نفس المدينة وفي نفس الفرع من موظف إلى زميله الموظف في ذات الفرع بل حتى الموظف نفسه صباحا غير آخر الدوام وأول الشهر أو أول الأسبوع غير آخره، والموظف العام سليم اليد والضمير ولا يرغب في مخالفة القانون ويخاف الله ولا يريد لنفسه أن يضر بالبشر والعباد والوطن، ولكن ماذا يفعل أمام غموض النصوص القانونية وتعارض اللوائح معها وتعدد وتبدل التعاميم وضغوط العمل وأداء مديره المباشر والتعليمات الهاتفية وطلب الشفعة والواسطة من قبل الأهل والأصدقاء كل هذا يؤدي به للاجتهاد في خدمة المواطن حسب درجة علمه وخبرته ورؤيته الخاصة للموضوع قد يدخل معها تعاطفه وحسن النية في التعامل، وقد يفتح ذلك الباب للفساد في الإدارة بسبب عدم تنقية النصوص القانونية وعدم انضباط اللوائح وتضارب التعليمات، ولذلك نحن بحاجة إلى هندسة الإجراءات الحكومية لتوحيدها وتقنينها على جميع مناطق المملكة وفروع الأجهزة الحكومية، وهذه الملاحظات ننقلها مع التحية إلى وزارة الخدمة المدنية ووزارة المالية لمسؤوليتهم المباشرة عن أداء الموظف العام في جميع مناطق المملكة وعمومها ويشاركهم في ذلك معهد الإدارة العامة.
ومن أمثلة ذلك نجد المادة (18) من قانون المحاماة والتي تنص على أنه للمحامين المقيدين في جدول الممارسين ــ فقط دون غيرهم ــ حق الترافع عن الغير أمام المحاكم أو ديوان المظالم أو اللجان القضائية، ولكن هذا النص الواضح القاطع في القانون لم يصل كرسالة مباشرة في نظام المحاماة إلى اللجان القضائية الموجودة في معظم وزارات وهيئات ومؤسسات الدولة وكذلك إلى عدد كبير من القضاة بديوان المظالم وكذلك المحاكم العامة والجزئية وعندما نراجع النص نرى عدم الوضوح في منح الاستثناءات التي تركت المجال للبعض من القضاة في المحاكم واللجان القضائية وديوان المظالم وفروعه اجتهادات في تفسير النص والاستثناء كل كما يريد، والنتيجة أن الغاية التي أرادها ولي الأمر من نظام المحاماة في قصر الترافع أمام القضاء فقط على المحامي المرخص من وزارة العدل ضاعت في ظل ضعف النص وضعف اللائحة وضعف المتابعة وترك الأمر للقناعة الشخصية لمن عليه واجب التطبيق والالتزام بتنفيذ القانون ولا شيء غير ذلك.
وهو ما يؤكد ضرورة مراجعة القوانين واللوائح والتعليمات لتوحيدها للقضاء على الفساد ورفع مستوى العمل الإداري الحكومي وتوحيده على مستوى البلاد بما يعود بالنفع على الجميع الوطن والمواطن من بوابة المساواة والعدل وهو أساس الحكم ومطلب الجميع.
ولذلك نجد أن السلطة التشريعية بالبلاد بحاجة إلى إدخال تطوير نوعي جذري في هيكلتها، فجميع هيئات ومؤسسات الدولة بحاجة إلى توظيف عدد كبير جدا من خريجي القانون والشريعة وتأهيلهم وتدريبهم على إعداد اللوائح والقوانين والعمل التشريعي، وأن ترفع من مكانة ودور رجل القانون داخل أجهزة الدولة وبخاصة هيئة الخبراء التي تعتبر المصنع الحقيقي للعمل التشريعي في البلاد لترتقي بآلية عملها وكفاءة المنتمين إليها ليكونوا خبراء في أعمال التشريع، وأن نفرض على جميع هيئات ومؤسسات الدولة آلية جديدة للنقاش الموضوعي الهادف لتحقيق المصلحة العامة التي تتمثل في قوانين واضحة وقضاء عادل وإدارة بلا فساد.