في الحديث الصحيح: (ان ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى  أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملَكا) فأتى الملَك كلا منهم وحقق له أمنية الشفاء ونيل الثروة التي يحب، ثم بعد ذلك تمثل الملَك للأبرص بالصورة التي كان عليها وطلب مساعدته فأبى، وكذلك حدث مع الأقرع، بينما الأعمى اعترف بفضل الله عليه وعرض مساعدته غير المحدودة، فقال له الملك: (رضي الله عنك وسخط على صاحبيك‏)، وفي حديث آخر (أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكا) فسأله عن سبب زيارته، فقال: (أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) وهنا يطرح سؤال حول الحكمة من إخبارنا بهذه الحوادث التي تمثلت فيها الملائكة بصورة المحتاج والسائل أو الآخر عموما ؟ ثم وفي التاريخ الإسلامي ابتداء من الخلفاء الراشدين ومن اهتدى بهديهم كالرشيد وغيره، شاع في أزمانهم أنهم يتنقلون متخفين بين الرعية لتفقد أحوال الناس وأداء القائمين على الشأن العام؟ مع أنه من حيث المبدأ لا يمكن لهذا الجهد الرمزي أن يفي بالهدف الذي قد يتبادر للأذهان وهو الإشراف المباشر على حال الرعية، فالحكمة في كلا الحالين السابقين هي أن يقر في اللاوعي الجماعي للناس أن هذا المحتاج أو الآخر عموما قد يكون ملَكا أو ملِكا فيُعامل الجميع على هذا الأساس، ولا يخفى أثر ذلك على المجتمع ككل، ففي التراث العالمي أن ملكاً زار إحدى المدن في مملكته ورأى شدة تخلفها ففكر في حيلة لإصلاحها جذريا، فأمر بأن يعلن بأن أحدهم قام باستبدال ابن الملك بأحد أبناء العامة من هذه المدينة، ولأن كل المواليد يشبهون بعضهم ولا وسيلة للتحقق من هوية الأمير المفقود، فإن الملك قرر العودة للمدينة بعد عشرين عاما ليتعرف على الأمير المفقود من شبهه به وهكذا صار لزاما على أهل المدينة معاملة أبنائهم كما ولو أن كلا منهم هو ملك المستقبل، وبعد عشرين عاماً عاد الملك للمدينة فوجدها من أكثر المدن تقدما وازدهارا، فالأهل علموا أبناءهم وربوهم وقدروهم كما ولو أن كلاً منهم هو الأمير المفقود فكانت النتيجة جيلاً مميزاً غير حال المدينة. وفي المقابل عندما ننظر إلى واقع معاملة الناس لبعضها في مجتمعاتنا، معاملة الأطباء للمرضى والأهل لبعضهم والأزواج للزوجات والوالدين للأبناء والعائلات للعمالة المنزلية والموظفين للمراجعين وحتى بعض عمال الحرم للزائرين-رأيت مؤخرا أحدهم لتحريك النساء من مكانهن «يشوط» حقائبهن بقدمه فيبعثرها مع الصراخ ودفعهن بغلظة أثناء صلاتهن مع أن تلك الحقائب لا تخلو من ماهو مقدس-وتقريبا في جميع دوائر المجتمع نرى غيابا لمبدأ حسن الخلق والمروءة والنبل وغيرها من مجامع مكارم الأخلاق، عنف مادي ومعنوي وجفوة وقسوة وأنانية وتحكيم لأهواء النفس ونزعاتها البدائية، فحسن الخلق هو الأهم الأكبر الغائب في التربية العائلية والتعليمية للناس، بينما في الحديث (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنه لضعيف العبادة وإنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درك جهنم وإنه لعابد‏‏)، وأيضا (الإسلام حسن الخلق‏)، (إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله‏)، (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، (أفضل عمل يؤتى به يوم القيامة خلق حسن‏).
وشهر رمضان يفترض أن يكون قد درب النفوس على تحري هذا المنظور الراقي في التعامل مع الناس فالأصل أن الناس للناس ميدان امتحان(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون).
bushra_sbe@hotmail.com