يعتبر نظام الغرف التجارية والصناعية من أقدم الأنظمة في المنظومة السعودية، وللغرف دور كبير وتاريخي في تطور الحركة الاقتصادية في جميع التخصصات والمجالات، انطلاقا من ريادة غرفة تجارة جدة، ولعبت الغرف أدوارا مهمة ولا تزال في احتضان كل جديد من الأنشطة والفعاليات وصولا إلى المسؤولية الاجتماعية والأعمال الخيرية، وأصبحت ميزانياتها تفوق وزارة التجارة وفروعها بل إنها تحتضن في مقراتها بعض فروع الوزارة وصولا إلى استضافة كتاب العدل للشركات، مما أوصل الغرف إلى مرحلة الخروج عن المسار الأساسي لها، فأصبح لزاما التوقف ومراجعة الواقع الذي تعيشه في عصر العولمة وتحول النظرة إلى مستقبل الاقتصاد السعودي المرتكز على التصنيع وتصدير المنتجات والخدمات بعد أن تنوعت ونمت عوامل قوة وقدرات الاقتصاد السعودي، لذلك لم يعد من المقبول أن تظل بعض القطاعات العملاقة مثل الصناعة والسياحة والمقاولات عبارة عن لجان داخل الغرف وهذا ما أكدته انتخابات غرفة الرياض مؤخرا، إذ طالب التجار بأن تعدل مقاعدهم لتصبح عشرة أو أكثر على حساب الصناعيين.
وقطاع الصناعة رهان الدولة على الاقتصاد والتوطين والسعودة ونقل التقنية والمعرفة والتحول إلى عاصمة إنتاج البرتوكيماويات في العالم، فكم من الصعاب كان يمكن أن تذلل في الماضي وكذلك في المستقبل، لو كانت هناك غرف للصناعة متفرغة لدعم وحماية وتشجيع الصناعة السعودية وكان لها صوت موحد من خلال مجلس للغرف الصناعية وتعاملت مع الوزارة والبنوك وصندوق التنمية الصناعي بأسلوب أكبر وأفضل.
وقطاع السياحة أمل الدولة المعقود لتوظيف وتوطين ملايين من شباب الوطن في صناعة السياحة، فماذا يكون عليه الأمر لو وجدت غرف للسياحة وتزايدت قدرتها على حماية السياحة وتشجيعها ودعمها.
إن ما يجب أن يسعى إليه رجال الأعمال والمستثمرون في القطاعات الاقتصادية الكبرى لتطوير أعمالهم وتحسين البيئة الاستثمارية لقطاعاتهم هو أن تكون هناك غرف صناعة وغرف سياحة وفي مختلف القطاعات، لأن تعارض المصالح وتقاطعها بين اللجان في الغرف أصبح واضحا وجليا واختلاف الأولويات بين اللجان في الغرفة الواحدة أصبح الأساس وصلا لأن يشكل مجلس الغرف لجنة للفصل في التباين بين الغرف واللجان وأن تدرس وزارة التجارة زيادة عدد أعضاء مجالس إدارات الغرف.
بل وصل الأمر إلى أن تطلب لجنة ما نقيض ما تطلبه لجنة أخرى من نفس الغرفة في نفس الموضوع، ومن ذلك طلبت لجنة المحامين من جميع وزارات ومؤسسات الدولة تطبيق نظام المحاماة الذي يقصر الترافع أمام المحاكم وديوان المظالم واللجان القضائية على المحامين المرخصين من قبل وزارة العدل، وطلبت لجان أخرى تأجيل ذلك والسماح للمعقبين والوكلاء بالترافع عنهم في المحاكم مما يدل على ذلك التباين في المصالح.
وحان الوقت لأن تتخلى الغرف عن اللجان المهنية فالأساس أنها لها هيئاتها الخاصة، ويتطلع المحامون حاليا إلى إنشاء هيئتهم الوطنية لأن هناك تعارض مصالح بين الخدمات المهنية والأعمال التجارية فلا يصح استمرار هذه الأوضاع في ظل العولمة وأسواق المال وعالمية الخدمات المالية والتجارية والأعمال وتشابك القوانين وأعمال المحاكم التي تتطلب أن يتحول المجتمع للأكثر تخصصية لتطوير الأداء وتفعيله.
ويجب ألا ننسى شكر الغرف التجارية الصناعية على دورها الرائد ومواقفها التاريخية لمجتمع الأعمال السعودي، ولكن وجب عليها أن تنقل رسالتها إلى غرف أخرى متخصصة لإعادة تحديد الاختصاص وتقنين توجه المسار، أي أن تحيل بعض التخصصات لأهلها فهم أولى بها (والأولى بالقوس باريها).