أ. د. جبريل بن حسن العريشي (*)
يتحرك المجتمع في هذا العصر نحو استخدام التقنية لنشر الخدمة الذاتية في كل المجالات، بحيث يصبح الفرد مسؤولا عن القيام بمعاملاته بنفسه، ما يقلل الحاجة لوجود موظفين مخصصين لتقديم تلك المعاملات، وإن كان ذلك ــ لسوء الحظ ــ يكون مصحوبا بتقليل التفاعل الاجتماعي بين البشر والمصاحب لتلك المعاملات. وتعد أنظمة الإعارة الذاتية في المكتبات تفعيلا حيا لمفهوم الخدمة الذاتية، فهي أنظمة مخصصة لأتمتة خدمات الإعارة، بحيث يتم إعارة وإرجاع أوعية المعرفة دون الرجوع إلى موظف المكتبة، ما يقلل من الوقت المبذول في عملية الإعارة، ويحقق الخصوصية لرواد المكتبة ويزيد رضاهم عن خدماتها.
وتعتمد هذه الأنظمة على تقنية التعرف باستخدام البث اللاسلكي RFID، وهي تقنية تقوم على استخدام الوسيمات ــ أو العلامات ــ الإلكترونية لتخزين البيانات، وهذه الوسيمات هي بطاقات رقيقة للغاية يتم لصقها على وعاء المعرفة بالمكتبة، وتحتوي على ذاكرة في شكل رقاقة معدنية تستخدم لتخزين البيانات الخاصة بالوعاء، كما تحتوي على هوائي للبث. وهي مثل البار كود المعروف في المحلات التجارية، إلا أن الجهاز القارئ الخاص بها يمكنه قراءة البيانات المخزنة بصورة أيسر وعلى مسافات أبعد من قارئ البار كود، وذلك باستخدام تقنية البث اللاسلكي. ولا تحتوي الوسيمة على بطارية، ولكنها تستمد طاقتها من الجهاز القارئ نفسه الذي يرسل إشارات لقراءة المعلومات المخزنة داخلها.
ولا يقتصر عمل هذه الأنظمة في المكتبات على الإعارة الذاتية، حيث تستخدم كذلك لتحقيق الحماية لأوعية المعرفة في المكتبة من السرقة والضياع، وذلك بوجود بوابات حماية تقرأ الوسيمات الملصقة على أوعية المعرفة، فتقوم البوابة بإصدار إشارات صوتية وضوئية تحذيرية عند خروج أي منها دون استعارته من جهاز الإعارة الذاتية، أو عن طريق موظف الإعارة. هذا فضلا عن استخدامها في إجراء عمليات الجرد والبحث والترفيف بواسطة الجهاز القارىء المحمول يدويا.
وينبغي عند التخطيط لاستخدام أنظمة الإعارة الذاتية في المكتبات، ألا يتم إلغاء نظام الإعارة التقليدي الذي يعتمد على الذهاب مباشرة للموظف لإتمام عملية الإعارة، فوجود النظامين معا يعد أكثر ملاءمة للمستخدم. فقد يكون موظف الإعارة يتعامل مع أكثر من شخص في وقت واحد، ما يتطلب منه أن ينتظر دوره، فيمكنه عند ذلك أن يتوجه إلى أجهزة الإعارة الذاتية، وبالعكس، فإذا كانت أجهزة الإعارة الذاتية مزدحمة يمكنه أن يتوجه إلى موظف الإعارة إذا كان أقل ازدحاما، فالعامل الرئيسي في هذه الحالة هو أيهما يوفر وقت المستخدم، وأيهما أسرع في إنجاز عملية الاستعارة.
http://professionallibrarian.blogspot.com/2009/07/self-circulation-service-at-auc-library.html
ولا ننسى أن شريحة من رواد المكتبات، وخصوصا من كبار السن منهم، يفضلون التعامل مع نظم الإعارة التقليدية ولا يشعرون بالراحة مع استخدام التقنيات الحديثة.
كما يستخدم نظام الإعارة اليدوي عند حدوث مشاكل بنظام الإعارة الذاتية. فأنظمة التعرف بالبث اللا سلكي لا تعمل دائما بشكل جيد، ولكنها قد يعترضها مشكلات ومصاعب عند الاستخدام، والتي قد يكون مصدرها عنصرا من أقل عناصر النظام تكلفة وهي الوسيمات. فقد تتسبب الوسيمات ذات الاعتمادية المنخفضة في مشاكل للنظام، وربما فشله في غضون سنوات أو شهور قليلة. ويظهر ذلك بصورة تدريجية، تبدأ بحدوث خطأ في القراءة أحيانا، ثم زيادة عدد مرات الخطأ، ثم يتزايد الأمر حتى يصل إلى الفشل الكامل في تعرف الأجهزة القارئة على تلك الوسيمات. ومن هنا، فلا ينبغي لهذه الوسيمات ــ على سبيل المثال ــ أن تكون مماثلة لما يوضع على قطع الملابس في المتاجر، فالمكتبات تتطلب أن تستمر هذه الوسيمات في حالة جيدة وصالحة للاستخدام لمدة 15 عاما على الأقل. لذا فإن الوسيمات تختلف تصاميمها إلى حد كبير بناء على الغرض من استخدامها ومدة الاستخدام. فهناك أنواع أطول عمرا وذات أداء أفضل من غيرها، وهي أمور تحددها المواد التي تصنع منها تلك الوسيمات وكذلك طرق تصنيعها. وهو ما قد يغيب عن بعض الموردين لهذه الوسيمات، وعن بعض القائمين على أمور المكتبات عند اقتنائهم لهذه الأنظمة.
لذا فيجب العناية الفائقة باختيار موردي الوسيمات، كما يجب التأكد من أنه قد تم اختبار اعتمادية الوسيمات على المدى الزمني الكبير، والتعرف على الاختبارات التي تم إجراؤها، ومدة كل اختبار، فضلا عن الاطلاع على نتائج تلك الاختبارات.
ومن المفيد أن نلاحظ هنا أنه يمكن مع تقدم هذه التقنية ــ من الناحية النظرية فقط حتى الآن ــ أن يتم معرفة أماكن أوعية المعرفة في محيط المكتبة وخارج حدودها، وذلك بزيادة قدرة أجهزة القراءة على قراءة الوسيمات على مسافات بعيدة. وما نظنه مستحيلا اليوم لن يكون كذلك غدا.
(*) أستاذ علم المعلومات ــ جامعة الملك سعود، عضو مجلس الشورى