قاد القانوني الأمير الدكتور بندر بن سلمان بن محمد آل سعود مستشار خادم الحرمين ورئيس فريق التحكيم السعودي، ولأكثر من 10 سنوات، مهمة نشر ثقافة قضاء التحكيم في المجتمع السعودي تحسب له بكل احترام وتقدير، بعد أن بذل جهودا كبيرة حتى على الصعيد العربي والعالمي لقب معها بأمير التحكيم، فقد جعل التحكيم ثقافة عامة مقبولة في المجتمع القضائي والقانوني والمجتمع السعودي ككل، بعد أن كان يتقبل التحكيم بريبة وارتباك وكخيار غير مرغوب فيه عند حل المنازعات التجارية ــ كما هو حال معظم دول العالم الثالث ــ خصوصا عندما لا يكون فيها اللجوء للتحكيم إلزاميا بوجوده كنص في العقد.
وقد كانت هناك جهود خجولة لتنشيط ثقافة قضاء التحكيم من الغرف التجارية وبعض المحامين انضم إليها ديوان المظالم ووزارة العدل مؤخرا، وسعى المهندسون لاقتحام هذا المجال بقوة جعلتني أشعر بأنهم مرخصون للتحكيم وليس الأعمال الهندسية، وكانت المشاركات النادرة لبعض الوزارات مثل التجارة وهيئة الاستثمار لا تخرج عن طرح موضوع التحكيم لجهة تحسين الملف الحكومي الخاص بجذب الاستثمارات الأجنبية دون البحث عن حقيقة وواقع التحكيم كثقافة وممارسة.
وأقول: يجب أن نتحاور مع أصحاب المصلحة الحقيقية، وهم رجال الأعمال والتجار وكبار التنفيذيين في الشركات والمؤسسات؛ لأن التحكيم في المنازعات التجارية ــ تاريخيا ــ وجد منهم ولخدمة أعمالهم حتى لا تتعطل أمام إجراءات التقاضي البطيئة كظاهرة عالمية، ومن ناحية أخرى لأجل البعد عن الأنظمة القضائية والقانونية الغريبة عنهم ــ في تجارتهم الدولية ــ من خلال التحكيم الذي يتيح لهم حق اختيار القانون الذي يفصل في النزاع والمحكمين من مختلف الجنسيات والمدارس القانونية في العالم، خصوصا في عقود التجارة الدولية.
وما هذه المكانة العالمية لغرفة التجارة الدولية في باريس إلا لمباشرتها لأعمال التحكيم التجاري على مستوى العالم، وقد أدت أهمية التحكيم إلى أن تنشئ معظم مكاتب المحاماة العالمية فروعا لأغراض التحكيم في فرنسا، والآن في دبي التي يتواجد بها أكثر من 2000 محامٍ غربي لممارسة أعمال التحكيم.
نؤكد أن التحكيم يحتاج إلى رعاية ودعم الغرف التجارية، مع إنشاء مركز وطني له ليتحول إلى عمل مؤسسي حقيقي لخدمة التجارة ورجال الأعمال والاستثمار والاقتصاد الوطني والقضاء التجاري.
والمهم ما هو موقف رجل الأعمال السعودي من التحكيم الذي يتطلب علما وثقافة حقوقية تقدر المحامي ورجل القانون؟ وما هو واقع التحكيم لدى المحامين وغيرهم من الذين يقبلون عليه؛ لأنه من مصادر الدخل العالية والسهلة التي تدخل بلا تكلفة حتى أصبحت الأتعاب ــ وليس الرسوم ــ من الأمور الطاردة لقضاء التحكيم؟ هل سيستمرون إذا ما تم إنشاء مركز للتحكيم ووضع جدول لأتعاب المحكمين يجعلها لا تتجاوز 5 % مما يتم دفعه الآن كأتعاب للمحكمين؟
نحن بحاجة لمراجعة أمور كثيرة بشكل جذري في التدريب القانوني للقضاة والمحامين ورجال الأعمال وكبار التنفيذيين في القطاع الخاص؛ لتهيئتهم لإعادة النظر في التحكيم كإحدى وسائل تسوية المنازعات، فالعالم بعد أن قنن التحكيم تخطى إلى أكثر من ذلك، وأصبح يقنن الصلح والتوفيق لأنهما يحققان الغاية بالحسم السريع للمنازعات بشكل أفضل.
وفي ظل النهضة التطويرية التي يعيشها المرفق القضائي؛ بسبب المشروع الجليل لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ــ حفظه الله ــ لتطوير مرفق القضاء وديوان المظالم، فإن قيادة وزارة العدل لهذا الملف أثمرت إصدار نظام التحكيم، وننتظر منها إدارة ملف الوسائل البديلة لحل المنازعات التي سيكون لها أثر إيجابي نتطلع إليه بكل شغف.