في المقال السابق تناولنا الواقع المؤسف لشح أثرياء المسلمين مقارنة بنظرائهم الغربيين رغم أنه يفترض أننا أمة الكرم والصدقة والزكاة! وكيف أن حالة الشح في الإنفاق الخيري عمت المجتمع وكما أظهرت الإحصائيات أن السعوديين يحرقون سنويا في السجائر فقط 1.4مليار عدا الشيشة وهو أكثر من مجموع إيرادات الجمعيات الخيرية في المملكة -حوالي1.3مليار-والمتضرر الأول من هذا الواقع هو من يبخل عن نفسه(ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) فهو الخاسر للثواب الأخروي ومردود البركة والإمداد الدنيوي، وبالطبع الخاسر الآخر هو المجتمع ككل وليس فقط المحتاجون، فللمال دورة اقتصادية تشمل كامل المجتمع إذا لم يتكدس في يد الأغنياء وتتولد عنها دورة حضارية أكبر وأبقى أثرا، فكما رأينا في مصارف أثرياء الغرب أنها تصرف لدعم الحفاظ على البيئة وللأبحاث الخاصة بالأمراض المستعصية وللمنح الدراسية وللمؤسسات التعليمية والثقافية هذا بالإضافة لتنمية المجتمعات، وقديما كان الوقف الإسلامي يمثل هذا الدور الحضاري، فقد كانت هناك أوقاف لرعاية الطيور المهاجرة والحيوانات الضالة وأخرى لبناء دور العلم التي نهضت بالحضارة الإسلامية مثل جامع وجامعة القرويين بفاس الذي كان وقفا لفاطمة الفهرية 859م وقد درس فيه البابا سيلفستر الثاني الذي شغل منصب البابوية في الفترة(999-1003) ومنها نقل الأرقام العربية إلى الغرب، وقد شكلت مصارف الإنفاق الخيري عماد ما يسمى بمصطلحات العصر بالمؤسسات المدنية، وبما أننا في الشهر الذي كان فيه النبي عليه السلام(أجود من الريح المرسلة) فقد وجب التذكير بأهمية الصدقة فهي بحق كما في الحديث(والصدقة برهان) فهي برهان على صدق الإيمان وصدق حس المسؤولية والالتزام والانتماء للمجتمع وللأمة، ولهذا كانت من صفات المؤمنين(وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية)وفي زمننا تحديدا إنفاق الأثرياء علانية عندما تكون المبالغ تستحق ذلك كما هو الحال مع نظرائهم الغربيين أي عندما تكون بالمليارات ومئات الملايين من الدولارات فهذا الإعلان لوحده هو خدمة للإسلام والمسلمين لأنه يحسن الصورة السلبية النمطية عن الثري الخليجي تحديدا الذي يصور على أنه شخص جشع بشع مستغل يصرف أمواله على شهواته فقط، والمال في الإسلام هو مال الله (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)والإنسان مستخلف فيه (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)ولذلك فالثري ليس حرا في ماله(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) ولذلك تترتب عقوبة دنيوية قبل الأخروية على من بخل(وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) وفي المقابل(صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) وأيضا(ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا) وفي الحديث القدسي:(يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك) وأيضا(داووا مرضاكم بالصدقة) و(كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس) وصدق الله العظيم(وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) ولو أن الأثرياء قاموا بواجبهم ومولوا استثمار الإمكانيات الهائلة التي يقدمها العصر الحديث للتغيير بالوسائل السلمية لما شعر كثير من الشباب المسلم المتحمس لنصرة قضايا أمته بأنه لا خيار له للتأثير إلا عبر العنف، فهو يسمع جعجعة عن الوسائل السلمية البديلة ولا يرى طحنا يثبت له فاعليتها ويفتح أمامه آفاقها، والعالم الإسلامي للأسف لا يؤنب أثرياءه بما فيه الكفاية على بخلهم وتقصيرهم.
bushra_sbe@hotmail.com