عندما أختلي بنفسي لبضع دقائق، وأنظر في سجل يومي، ماذا فعلت؟ وماذا رأيت؟ أجد حياة نموذجية مثالية، هي المدينة الفاضلة التي حلم بها أفلاطون وكتب عنها الفارابي، وتمناها كثير من المفكرين لضبط إيقاع هذا الكون.
أرى الناس في المصالح وفي الشوارع، وقد غشيتهم السكينة، وعم سلوكياتهم الهدوء والطمأنينة، نادراً ما تسمع صوتاً عالياً اختفت المشاحنات، وانخفضت الأصوات، وكأننا في مجتمع مغاير تماماً لما كنا عليه قبل أسابيع محدودة.
أرى وجوه الخير تمتد عبر البلاد، موائد للفقراء هنا وهناك، مياه توزع على المصلين في القيام، صدقات تخرج من جيوب طال غلقها، اعتادت على أن نضع فيها، لا أن نأخذ منها.
أرى المساجد كلها، كبيرة أم صغيرة، كخلايا النحل روادها يهمسون بتلاوة كتاب الله تعالى، وبعضهم يناجي ربه في خشوع، تفيض عيناه دمعاً؛ خشية وخوفاً وطمعاً، خشية وخوفاً من الله، وطمعاً فيما وعدنا من جزيل الثواب في هذا الشهر المبارك.
أتابع الصحف كالعادة، فأجد كم الحوادث التي اعتدنا مطالعتها على صفحات هذه الصحف اليومية العديدة يقل كثيراً بل يندر على خلاف ما كان الوضع عليه قبل أسابيع.
أنظر إلى الوجوه فأراها باسمة، الأخ يحضن أخاه مهنئاً وداعياً ومتمنياً.
أينما أذهب أرى أبواب الخير مفتوحة، والناس يتسابقون في عمل الخيرات، في شهر الطيبات.
ما الذي حدث؟!
هل انتقلنا إلى عالم آخر؟!
كلا، المكان هو المكان، والناس هي الناس، لكن الزمان قد تغير، فقد أظلنا شهر كريم، ولعل من أبرز صور كرمه أنه استطاع تغيير سلوكيات الملايين من البشر: صحيحهم وسقيمهم، طيبهم وشرسهم الملتزمين منهم والمفرطين.
أي سحر هذا الذي يتمكن بين عشية وضحاها من تغيير البشر؟.. إنه سحر الإيمان، وقوة اليقين، ورسوخ الإيمان والعبودية لله تعالى.
كثيرون أولئك الذين يتمنون أن يطول رمضان، لكن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهراً، ولا يمكن أن يتكرر منها شهراً، ولكن لكي تستمر تلك الحياة الفاضلة، علينا أن يسير على النهج الرمضاني السلوكي والأخلاقي والإيماني، بقية شهور السنة ومن هنا تصبح الحياة بأسرها «رمضانية».