في المقال السابق تناولنا بالأرقام الواقع المؤسف لبخل أثرياء المسلمين مقارنة بنظرائهم الغربيين وكيف أن مجموع تبرعات الجمعيات الخيرية في المملكة التي ينتمي لها 9 من قائمة أثرى أثرياء الكرة الأرضية-مجموع ثرواتهم ‏60.8‏ ‏مليار دولار- لا تساوي تبرعات أحد أفراد تلك القائمة من الغربيين والتي هي بالمليارات ومئات الملايين من الدولارات بينما مجموع إيرادات الجمعيات الخيرية في المملكة هو حوالي أربعمائة مليون دولار فقط، فأين هم من وارن بوفيت المتبرع بـ37 مليار دولار ومؤسسة (ستيكتنج إنكا) المالكة لمتاجر ايكيا المتبرعة بمبلغ 36 مليار دولار سنويا، وفي إسرائيل وحدها أكثر من 35000 منظمة خيرية وهي أكثر من مجموع الجمعيات الخيرية في كل الدول العربية، وحسب موسوعة جينيس للأرقام القياسية 2006المنظمة الخيرية التي جمعت أكبر قدر من التبرعات عالميا ولمدة ثماني سنوات متتالية هي (جيش الخلاص) بريطانية المولد 1865 التي يعتبر فرعها الأمريكي الأكثر تبرعا. وإجمالا حجم التبرعات في أمريكا حوالي 212مليار دولار سنويا، فأين أمة الكرم والصدقة والزكاة من كل هذا؟! ويجب التأكيد على أن التضييق العالمي على العمل الخيري الإسلامي يجب أن لا يكون عامل إحباط للمتبرعين، فببساطة يمكن التصدي له برفع درجات الشفافية في وجه الجهات المشككة وتصعيد وتيرة العمل الخيري بأعلى المعايير العالمية حتى ينال الاعتراف الدولي كما حدث في بريطانيا مع «هيئة الإغاثة الإسلامية» التي منحت ملكة بريطانيا رئيسها د.هاني البنا وسام الإمبراطورية البريطانية من الدرجة الأولى لنشاطه الخيري، لكن الحقيقة أن هناك شحا حقيقيا لدى أثرياء المسلمين مقارنة بنظرائهم الغربيين حتى قبل أحداث11 سبتمبر، ولعل من أبرز أسباب بخل أثريائنا ضعف ثقافة التطوع والمسؤولية الاجتماعية، والاكتفاء بالجانب الوعظي العاطفي للترغيب بالصدقة وغياب العمل المؤسسي التطوعي الذي يفترض أن يُربى عليه النشء ليكون جزءاً من أسلوب حياتهم ونوازعهم النفسية، فوفق دراسة سعودية الفرد السعودي هو الأكثر إنفاقاً على الأزياء والأحذية عالميا حيث ينفق عليها10%من إنفاقه الاستهلاكي, بينما تبلغ هذه النسبة لدى الفرد في فرنسا4.5%, وفي ألمانيا وبريطانيا 6% وفي أمريكا 4%، ووفق إحصاءات المركز الوطني للمعلومات والأبحاث السياحية فقد أنفق السعوديون على السياحة عام(2005) 46 مليار ريال، ويحرق السعوديون1.4 مليار ريال في السجائر هذا عدا الشيشة ويكلفون الدولة 8 مليارات لعلاجهم من أضرارها، بينما مجموع إيرادات الجمعيات الخيرية في المملكة هو مليار و342 مليوناً و581 ألف ريال وهو أقل مما يحرق في التدخين لوحده، فللأسف أن مجتمعاتنا تعاني من الانفصام، فهي تذم الغربيين باتهامهم باستحواذ النزعات الفردية المادية والاستهلاكية عليهم بينما الأرقام تظهر حقيقة محزنة عن كون واقعنا هو معكوس الصورة المثالية التي نحسب أننا عليها، فقد استحوذت ثقافة الاستهلاك والأنانية المادية على مختلف طبقات مجتمعنا، والإنسان الذي لا يبخل على نفسه وأرصدته المالية بشيء لا يدرك أنه يبخل عليها بأهم شيء (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه و الله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) فعلاوة على الثواب الأخروي ومردود البركة والإمداد الدنيوي فإن للعمل الخيري سعادة وفرحة وسرورا في نفس فاعله إذا كان عن إخلاص ومن ذاق تلك السعادة وخيراتها أدمنها (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).
bushra_sbe@hotmail.com