هل كل خطأ في أعمال الإدارة فساد، هل كل اجتهاد لموظف حكومي فساد، هل معالجة مشكلة مستحدثة لا توجد لها إشارة في أنظمة الإدارة الحكومية فساد، هل كل قرار من قبل الإدارة تحقق فيه المصلحة العامة فساد أو أن تأخذ القرار من خلال سلطتها التقديرية فساد ؟؟، الحقيقة إن الإجابة: لا.
فقد تصدر القرارات الإدارية لأجل المصلحة العامة من خلال إعمال السلطة التقديرية لجهة الإدارة مثل وجود حالة مستحدثه تتطلب معالجة من خلال قرارات تستند إلى معطيات الواقع والمبادئ العامة للقرار الإداري وكذلك تراعي الغايات والمصالح الأساسية لتلك الجهة الحكومية التي تحتاج إلى سنوات بكل أسف طويلة حتى تكمل السلطة التشريعية دورتها التشريعية لتعديل نص قانوني يعالج المشكلة، في حين أن المشكلة في حد ذاتها قد تكون ذات أبعاد سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو تشغيلية وبحاجة إلى معالجة فورية عاجلة مثل تكدس الحجاج والمعتمرين في المطارات والموانئ في أمر تتداخل فيه اختصاصات وزارات الدفاع والداخلية والحج ومؤسسة الموانئ البحرية وهيئة الطيران والجوازات وربما وزارة الخارجية. ولو كان المشكلة والحل والقرار قاصرين على المؤسسات الحكومية لكان الأمر سهلا نسبيا أما إذا اتصل القرار بالقطاع الخاص فإن محل الاعتراض عليه يكون أمام المحكمة الإدارية التي قد لا تجد سندا من نصوص خاصة بالمشكلة في النظام ولا تكون قادرة على أن تحدد ما إذا كان قرار الإدارة يخضع لسلطتها التقديرية والملائمة الإدارية أم لا.
فهل معالجة أمر من هذا القبيل من الإدارة فيه ثمة فساد إداري أو مالي؟، وهل مثل هذا القرار الإداري يعتبر مخالفة للنظام بعد أن تبين أن هناك خللا تنظيميا أو تشريعيا يتوجب تعديله أمام السلطة التشريعية لسنوات طويلة، الإجابة: لا.
هل يجب إعمال السلطة التقديرية للإدارة الحكومية لتحقيق الصالح العام، أم ترك المشكلة تتراكم وتتفاقم بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية، وهل القضاء الإداري وأجهزة الرقابة على العمل الحكومي ستراعي هذه المعطيات التي غالبا ما تكون طارئة أو مستحدثة نتيجة تطبيق القوانين على أرض الواقع حيث تفشل القوانين في اختبار فاعليتها لقصور في النظام أو اللوائح، فأين هو الحل ؟؟.
إنني أعتقد بأنه يمكن إيجاد الحل عند هيئة مكافحة الفساد فعليها أن تفتح مسارا جديدا تتعاون فيه مع الجهات الحكومية تقوم فيه بمراجعة القوانين واللوائح والتعليمات ويكون ذلك تفعيلا هاما لواحد من أهم بنود النظام الأساسي للحكم الذي نص على تعاون سلطات الدولة الثلاث، ولأن هذا التعاون مرده إلى أن الرقابة القانونية من خلال هيئة مكافحة الفساد ربما تكون من أهم المسارات لمعالجة اللوائح والتعليمات التي تصدر من السلطة التنفيذية والتي لم تدركها بعد السلطة التشريعية بالنصوص والأنظمة والقضاء بأحكامه والتي أدركتها الإدارة بحل جذري للحالات والمشكلات وعالجتها بالقرارات الإدارية وبسلطتها التقديرية مبتغية الصالح العام وأعتقد بأن الهيئة في حال افتتاح هذه المسارات ستجد أطنانا من القوانين واللوائح بحاجة إلى تعديلات وتطوير على أقلها نظام المشتريات الحكومية المسؤول الأول عن تأخر تنفيذ مشاريع الدولة ومع البلديات فإنها ستجد حلا لمشكلات العقار والصحة والبيئة ومع التجارة عن الاستثمار والأعمال والتنافسية.