ما فتئ الأستاذ القدير عبدالله عمر خياط يحث البنوك على القيام بدور إيجابي في مجال خدمة المجتمع، وقد كتب العديد من المقالات حول الموضوع نفسه، طارقاً إياه من زوايا مختلفة كلها تخدم في النهاية هدفاً واحداً ومشروعاً هو أن تقوم البنوك بدورها في خدمة المجتمع، وكان آخر ما كتبه في هذا المضمار مقال أشار فيه إلى أن 57% من الودائع البنكية تمثل حسابات جارية لا يأخذ عليها أصحابها أية فوائد شهرية أو سنوية وأن هذه المعلومة الرسمية تعني أن معظم أرباح البنوك المعلن عنها فصلياً أو سنوياً ناتجة عن الحسابات الجارية المودعة لدى تلك البنوك فلماذا لا يُخصص جزء من تلك الأرباح لخدمة المجتمع لاسيما إذا ما علمنا أن مبالغ الحسابات الجارية تزيد عن مائة مليار ريال وأن الأرباح الناتجة عنها قد تصل إلى نحو عشرة مليارات من الريالات سنوياً كلها تذهب إلى جيوب المساهمين في البنك دون أن يأخذ المجتمع أو أصحاب الحسابات الجارية شيئاً من تلك الأرباح لأن معظمهم يتعفف عن أخذ الفوائد البنكية.
وما دعاني إلى التعليق على هذا الأمر الذي طرقه الأستاذ الخياط لأكثر من مرة وطرقه غيره أيضاً «على خفيف»، هو أنني تذكرت ما قام به ذات يوم مسؤول قيادي في إحدى دول العالم العربي، عندما علم من رجال الاقتصاد والمال في تلك الدولة أن نحو مليوني مغترب من أبناء الدولة نفسها من الذين يعملون في القارة الأوروبية ولم تنقطع علاقتهم بوطنهم وأسرهم وأقاربهم، يحولون أكثر من عشرة مليارات دولار أمريكي سنوياً إلى البنوك الموجودة في بلادهم بمتوسط قدره نحو خمسة آلاف دولار سنوياً عن كل مغترب وأن جميع أو معظم تلك التحويلات تدخل البنوك المحلية على أنها حسابات جارية، فاستفسر عن مصير الأرباح الناتجة عن المليارات المحولة فعلم أنها تضم إلى مرابح البنوك في تلك الدولة دون أن يستفيد منها المغتربون أو المجتمع، فعمل على وضع نظام صارم تُلزم من خلاله البنوك بحصر دقيق شفاف للأرباح السنوية الناتجة عن المليارات المحولة من قبل المغتربين وأن تقسم تلك الأرباح بحيث يكون نصفها للبنوك والنصف الآخر تُنشأ به مؤسسة خيرية لها هدفان أساسيان: الأول تبني مشاريع ثقافية وتعليمية وتربوية واجتماعية لخدمة المغتربين في بلدان هجرتهم وإقامتهم، من بناء جوامع ودور رعاية للأيتام والمسنين وخدمات اجتماعية وفصول دراسية ومكتبات ومراكز إسلامية ونحوها.. بما يعود عليهم بالنفع من عوائد وأرباح الأموال التي حولوها لوطنهم فهم الأحق بالاستفادة ولو بجزء من أرباح تلك الأموال، والثاني تنفيذ مشاريع خيرية متنوعة لخدمة الفقراء في مدن وقرى الدولة نفسها، فلما طبق التنظيم وألزمت به البنوك نتج عنه ولادة مؤسسة خيرية كبرى ذات مال وفير وأثر إيجابي كبير، عاد بسمعة طيبة على الدولة نفسها لدى مواطنيها المغتربين وأسرهم وأصبح للمؤسسة نشاط محمود في عدد من دول القارة الأوروبية، دون أن تدفع الدولة نفسها دولاراً واحداً من خزينتها العامة على برامج تلك المؤسسة الناجحة.
تذكرت ما تقدمت الإشارة إليه وأنا أتابع دعوة الأستاذ الخياط وغيره للبنوك للمساهمة بجزء من أرباحها الناتجة عن الحسابات الجارية المودعة لديها، في خدمة المجتمع، ومتوقعاً ألا تكون هناك استجابة كريمة!!، وأن الأمر يحتاج إلى تنظيم وتشريع ملزم للبنوك بالمساهمة في الأعمال الخيرية والاجتماعية لأنها مستفيدة من الأرض والاستقرار وأرباحها وفيرة.. جزء أساسي منها مصدره الحسابات الجارية، أما إذا انتظرنا أن تبادر البنوك من قبلها وتستجيب لما دعيت إليه بلا إلزام أو ضغط فإن على أصحاب هذا التوقع المزيد من الانتظار..!