ذات يوم جمعتني جلسة سريعة مع الصديق العزيز الدكتور حسين نجار وكعادته يتحف الملتقي به بقصص ذات مغزى ومعنى خاصة حيال ما يدور على الساحة من أحداث فذكر لي قصة جارين، أحدهما ثري شقي، يبيت ليله قلقاً على ممتلكاته وأرباحه، ينتظر تكاثر الملايين، ونمو العقارات، ويخشى أن تبور تجارته، وتكسد بضاعته، وقد انعكس هذا كله على أفراد أسرته، فتوترت أعصابه، واضطربت العلاقات، وتعكر الجو الأسري.
أما الجار الثاني، فكان جزاراً، يذبح كل يوم ذبيحته، وما أن ينتهي اليوم إلا وقد انتهى من بيعها، يعود إلى بيته قرير العين، مرتاح البال، يصلي عشاءه، ويتناول عشاءه، يتسامر مع أسرته، يحمد ربه، ينام ملء جفونه، يستيقظ مبكراً، يواصل عمله وكله رضا وقناعة.
التقى ذات يوم بجاره الثري، وتجاذبا أطراف الحديث، وعرض الثري على جاره الجزار فكرة توسيع نشاطه، وقدم له المال ليذبح في اليوم ذبيحتين وثلاثاً وأربعاً.
تكاثرت الأرباح، وتغيرت الأحوال، ولم يعد الجزار كما كان، بل بات يقضي معظم يومه خارج بيته، واستولى الجشع والطمع على قلبه وعقله، وأصبح يقضي ليله قلقاً، يحسب احتمالات الربح، ومخاوف الخسارة، وتحول البيت إلى جحيم، اضطربت الأعصاب وتوترت العلاقات، وهربت السعادة، وحل الشقاء.
التقى الجزار بجاره الثري ذات مرة، وسأل الثري جاره عن أحواله، ويبدو أن الجزار قد أدرك ما صارت إليه حاله، فأعطى لجاره الثري حقوقه، وفضل أن يعود إلى ما كان عليه، لتعود إليه سعادته، وليعود إلى أسرته استقرارها.
ذكرتني هذه القصة بأصحاب الأسهم وما كانوا عليه قبل الاكتتاب، من قناعة وسعادة، وما صاروا إليه بعد الاكتتاب من اكتئاب يسيطر على حياتهم، وخوف يستولي على قلوبهم وعقولهم.
زوجات طلقت، وبيوت خربت، ورجال انهاروا، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر.
باعوا كل ما يملكون، واستدانوا من الأقارب والأصدقاء، لهثوا وراء أرباح خيالية يحققونها بين عشية وضحاها، ارتفع بهم الطمع إلى الدرجات العلى، وفجأة، هبطوا، بل «طاحوا» إلى الدرك الأسفل.
الزوجة طلقت، والأولاد شردوا، والأحلام تحطمت، في غمضة عين، نعم، حدث ذلك في غمضة عين.
لم يفكر أحدهم في مشروعية هذه الأرباح التي يجنونها بلا تعب ولا نصب، كانوا يبيتون قريري العين، مستريحي الأنفس، وفجأة، حققوا أرباحاً طائلة، أقلقتهم وخطفت النوم من عيونهم، فهذا يطمع في أن تصير المائة ألف مليوناً، والمليون عشرة، وهذا يتحايل على القواعد والنظم، ويشتري بأسماء أبنائه وحفيداته، وهذا باع ما يملك ليشتري ما لا يملك.
لقد أدرك الجزار أن القناعة كنز لا يفنى، وأنقذ نفسه وأهله، ورضي بالربح الحلال الموثوق منه، حيث لا شبهة فيه، فاق قبل فوات الأوان، فهل يدرك هؤلاء المكتتبون المكتئبون ما أدركه الجزار؟!
انتهت الحكاية.
Dr_Rashed@hotmail.com