ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور|. خلال محاضرة البابا بنديكت السادس في ألمانيا حول العلاقة بين العقل والعنف استشهد بمحاورة-1391-بين الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني وعالم مسلم (قال الإمبراطورفقط أرني ما أتى به محمد من جديد، ستجد فقط ما هو شرير ولا إنساني، كأمره بنشر الدين الذي نادى به بالسيف»..فالعنف لا يتفق وطبيعة الله ولا يتفق وطبيعة الروح..إن الله لا يسر بالدماء..ومن يهدي للإيمان يحتاج للقدرة على التكلم بالحسنى والعقل، دون عنف أو تهديد أو وعيد) وبلا شك هذا التصريح إساءة مرفوضة للإسلام، ويدل على أن قائله لم يطلع على مصدر واحد محايد عن الإسلام، لكن السؤال الذي يطرح نفسه على المسلمين ويمثل جوهر الأزمة الحضارية التي يعيشونها، هل أن طبيعة التصرفات الاحتجاجية المباشرة للمسلمين التي أبرزتها وسائل الإعلام أكدت هذا الإدعاء الباطل أم نفته؟! الواقع أنها كانت أشبه بختم تصديق عليه، إحراق للكنائس في مسقط رأس المسيح عليه السلام مع ما لها من قيمة عاطفية ودينية خاصة، وقتل لراهبة إيطالية مسنة في الصومال غيلة بإطلاق النار عليها في الظهر، وعبارات سباب وتهديد بالقتل رفعها متظاهرون مسلمون في بريطانيا وغيرها، مع أن القواعد الإسلامية في هذه القضايا واضحة، فحتى في الحروب نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التعرض للكنائس والرهبان وفي القرآن }ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم|، وهذه هي مأساة المسلمين الكبرى اليوم أنهم يقولون ما لا يفعلون بالنسبة للقيم الأخلاقية الإسلامية، فنشرات الأخبار تكاد من أولها إلى آخرها تكون عن عنف مرتبط بالمسلمين حتى ضد بعضهم، من دارفور والحديث عن قتل(200) ألف مسلم إلى العراق والمجازر الطائفية اليومية الشنيعة إلى أحداث وتداعيات ما يسمى بالإرهاب العالمي والذي تضمن تفجير قطارات في بريطانيا واسبانيا، لكن لننظر للنموذج المغاير الذي تشير إليه الرسالة التي كتبها عالم الفلسفة اللاهوتية الألماني(اوليفروس) من كولونيا، ألمانيا، بعد عودته لموطنه بعد مشاركته في الحروب الصليبية وشهادته على المذابح الجماعية التي أوقعوها بأهل دمياط بمصر بأوامر البابا، وأرسلها-عام1221-للكامل سلطان مصر اعترافا بفضله، فكتب يقول:(منذ تقادم العهود لم يسمع المرء بمثل هذا الترفق والجود، خاصة إزاء أسرى العدو، ولما شاء الله أن نكون أسراك لم نعرفك مستبدا طاغية..وإنما عرفناك أبا رحيما شملنا بالإحسان والطيبات، وعونا منقذا في كل النوائب والملمات. ومن ذا الذي يمكن أن يشك لحظة في أن مثل هذا الجود والتسامح والرحمة من عند الله..إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم وأذقناهم مر العذاب، لما غدونا أسراهم وكدنا نموت جوعا راحوا يؤثروننا على أنفسهم على ما بهم من فقر، وأسدوا إلينا كل ما استطاعوا من إحسان). والعبارة الجوهرية في الرسالة (ومن ذا الذي يشك لحظةً في أن هذا الجود والتسامح والرحمة هي من عند الله) فالنموذج الحي لقيم الإسلام النبيلة جعله يقول أنها دالة على أن دينهم لا يمكن إلا أن يكون من عند الله، وهذا معكوس دلالة خطاب البابا الذي رأى في النموذج السلبي الذي بات ملتصقا بالمسلمين دلالة على أن دينهم لا يمكن أن يكون من عند الله. وهذه نقطة يجب أن يتوقف عندها المسلمون طويلا ويتحملوا مسؤولية النموذج الذي يطرحونه أمام العالم حتى لا تنطبق عليهم مقولة (الإسلام قضية ناجحة في يد محام فاشل).
bushra_sbe@hotmail.com