أ. د جبريل بن حسن العريشي *
المكتبة في العصر الحديث نتيجة من نتائج التقدم الحضاري، ومظهر من مظاهره، وأداة من أدواته؛ فالحضارة الحديثة تعمل على تربية الأفراد وإعدادهم كمواطنين صالحين يتحملون مسؤولياتهم الثقافية والعلمية. لكن ــ للأسف ــ لا يرتاد المكتبات المدرسية والجامعية إلا قلة من الطلاب/الطالبات، وعلى الرغم من وجود حصص مكتبة في كثير من المدارس إلا أن كثيرا من الطلاب لا يستفيدون من هذه الحصص؛ لأن أغلبية معلمي المادة ليسوا من المختصين في علم المكتبات؛ ما يؤدي إلى نتيجة عكسية في كثير من الأحيان بسبب ضجر الطلاب، إضافة إلى أن كثيرا من المدارس الحكومية لا توجد لديها مكتبات!. كما أن كثيرا من مكتبات المدارس والجامعات تعاني شح المصادر، وقلة تنوعها؛ ما يحبط همم الطلاب/الطالبات الذين يعلمون مسبقا أنه لا طائل من البحث في مثل هذه المكتبات.

ومن حوافز زيادة نسبة القراءة لدى الطلاب تضمين البحوث في المقررات المدرسية كالمقررات الجامعية، ومن المهم أن يكون المعلم ذا خبرة في مجال البحث، فيعين طلابه على عملية البحث، ويرشدهم إلى طرائق تناول المصادر وتحليلها. ومن شأن هذه الطريقة أن تعرف الطلاب المراجع الأساسية، وكذلك الثانوية؛ ما يساعد الطلاب في ما بعد على معرفة كيفية الاطلاع وقراءة هذه المصادر؛ فليس المطلوب في نهاية المطاف تشجيع القراءة لمجرد القراءة، بل تشجيع القراءة التحليلية (critical reading).
إن أي مشروع يصب في معالجة مشكلة القراءة في المجتمعات العربية هو مشروع تنموي بحق، ذو أبعاد مختلفة؛ لأن ناتج هذا المشروع لا يقتصر على نشر الثقافة العامة، بل يقوم كذلك برفع مستويات الأداء في العمل، ورفع الناتج الإجمالي الاقتصادي والمعرفي والاجتماعي. ومن هنا لا بد للمجتمعات العربية من أن تجاري عصرها الذي يتسم بصفة المعلوماتية، والقراءة ولو على الصعيد الفردي. ويبقى أن للتعليم والإعلام دورا كبيرا في بث روح القراءة، والإشارة إلى مردودات الاطلاع. إن صناعة مجتمع قارئ تستوجب إتاحة ازدهار صناعة الكتب، كما تستوجب صناعة ثقافة تدعو إلى القراءة والاطلاع بمساعدة الإعلام ونظم المعلومات.
للمكتبة مجال واسع، وأنشطة غير محددة، أهمها هي تلك الأنشطة التي تعتمد على الإمكانيات المتوافرة فيها، واستغلالها على أكمل وجه؛ فالكتب والدوريات والوسائل المختلفة صالحة لتكون منطلقا لأنشطة تعرف بمضمونها وأهميتها، أو طرائق استعمالها، أو الجديد فيها. كما تقوم بتنظيم الندوات المختلفة، وإقامة المعارض. ومهما كان نوع النشاط الذي تقوم به المكتبات فهو مساير للتفاعل الاجتماعي والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف مجالاتها؛ فالمكتبة الواعية هي التي تعد نفسها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن مساعدة الهيئات الثقافية والعلمية والتربوية على التنمية المعلوماتية.
وتعمل الحضارة الحديثة على تقريب الفوارق بين المستويات الفكرية في الوطن الواحد، وإقامة روابط ثقافية وانسجام فكري بين أعضاء المجتمع، وإتاحة الثقافة والمعرفة للجميع بأيسر السبل.
لقد بات من المسلم به اليوم أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات مهمة في الممارسات التربوية، هذه التغيرات ارتبطت أساسا بالتطور المذهل في وسائل الإعلام، ومصادر المعلومات، وكذا النظريات التربوية الحديثة.
وهنا أدعو إلى تأسيس إدارة أو وكالة أو هيئة عليا مستقلة تعنى بهذه المكتبات، وتمنح كل الصلاحيات المالية والإدارية والتنفيذية التي تعزز دورها، وترسخ مفهوم العمل المكتباتي والمعلوماتي الحديث، الذي يتعامل مع المتخصص في علوم المكتبات والمعلومات على أنه موظف فني حرفي يدوي ذي عقل وقاد، يحتاج إلى التعلم والخبرة والرغبة في آن واحد، وليس عملا إداريا فقط!، أو شهادة من دون رغبة، أو خبرة من دون شهادة.
على الرغم من كل التغيرات التي حصلت في بيئة المكتبات بفعل دخول التكنولوجيا فالمهارات التقليدية؛ مثل: التصنيف، والفهرسة، والخدمات المرجعية، والتلخيص، لها دورها الحيوي. والآن المطلوب هو إعادة النظر في طبيعة أداء هذه المهارات، وتحديثها بما يتلاءم وطبيعة مجتمع المعرفة والتكنولوجيا. كما أننا نلاحظ في المدة الأخيرة تحول المكتبات العامة إلى مراكز مجتمعية وثقافية للمجتمعات التي توجد فيها، وتحول المكتبات المدرسية إلى مراكز مصادر التعلم، كما انغمست المكتبات الجامعية في مساعدة الجامعات في مبادرات التعليم الإلكتروني بأشكاله المختلفة، وأصبحت المكتبات المتخصصة ومراكز المعلومات تؤدي دورا فاعلا في إدارة المعرفة في الشركات والمؤسسات التجارية والصناعية. ومن هنا يصبح من الضروري أن يسهم اختصاصي المكتبات والمعلومات بدور متميز في مختلف هذه الأنشطة الجديدة.
كما تتولى المكتبات الآن عددا من المشروعات الجديدة المتعلقة باستخدام تكنولوجيا المعلومات في الأنشطة المختلفة، وهذه المشروعات مثل: رقمنة الكتب التراثية، وإنشاء متحف للمواد النادرة بالمكتبة، وإعداد تسجيلات ببليوجرافية إلكترونية للرصيد الراجع بالمكتبة. ويتوقف نجاح هذه المشروعات وإنجازها بكفاءة عالية في الوقت المحدد لها على الإدارة الجيدة لكل مشروع. ومن هنا يصبح من الضروري أن يتولى الاختصاصي إدارة مثل هذه المشروعات بنجاح، وأن يتعامل بفاعلية وكفاءة مع المصادر والتجهيزات والمستفيدين في إطار منظومة متناغمة، وهو أيضا المعلم والمرشد والموجه والمساعد لمن هم في حاجة إليه.

* استاذ المعلومات ـ جامعة الملك سعود
عضو مجلس الشورى