ككثيرين غيري وجدت نفسي مضطرة خلال الأسبوعين الماضيين لمتابعة ما بات أشبه بمهرجان سنوي يعرف بأحداث11سبتمبر، وأمران لا يثير الإنسان شيء أكثر منهما: الظلم أو الغبن والنفاق أو المداهنة، وللأسف هذان الأمران صار لهما مناسبة سنوية عالمية هي مناسبة أحداث11سبتمبر، فإن كان لأمريكا البلد الذي عانى منها الحق في إظهار حزنه بكل صورة، فإنه في المقابل من قبيل النفاق والمداهنة المحضة أن يجعل العرب تحديدا هذا التأريخ أشبه بحدث مقدس لأنه قتل فيه 2973 شخصاً في أمريكا، بينما عدد المسلمين الذين قتلتهم أمريكا بحجة هذه الأحداث بلغ حسب إحصائية أمريكية(100) ألف إنسان في العراق ومثلهم في أفغانستان عدا ضحايا تبعات الاحتلال الذي جاء بحجة هذه الأحداث، فشهريا عدد الذين يقتلون في بغداد وحدها بأعمال العنف الطائفية السياسية وبأبشع طريقة ولا يجرؤ حتى أهلهم على استرجاع جثثهم لأنه سيتم أيضا اصطيادهم وتعذيبهم حتى الموت هو أكثر من هذا العدد، هذا عدا الذين ماتوا وسيموتون بعد معاناة رهيبة مع السرطان الذي تحول لوباء عام بسبب قذائف اليورانيوم المنضب الأمريكية، بالإضافة لضحايا القنابل العنقودية المحرمة التي استخدام الأمريكيون12 ألفاً منها تسببت في نثر 1.9 مليون عبوة ناسفة كثير منها لم ينفجر وتنتشر في مناطق مكتظة سكانياً وإن كان قد سقط برجان في أمريكا فكم هو عدد الأبراج ومنشآت البنى التحتية العراقية التي دمرتها آلة الحرب الأمريكية بحجة هذين المبنيين، وكم قرية مسحت من الخريطة في أفغانستان بمن فيها بعد أن قصفتها الطائرات الأمريكية، وكم برجا سقط في فلسطين ولبنان بالأسلحة الأمريكية والتغطية السياسية والدبلوماسية الأمريكية، بل إن ضحايا عملية واحدة من العمليات الأمريكية في أفغانستان كانوا بحجم جميع ضحايا أحداث 11سبتمبر، مثل العملية التي وثقها الفيلم الوثائقي للايرلندي(جيمي دوران) الذي أحدث ضجة عالمية والمسمى (مذبحة في مزار) والذي عرض في البرلمان الألماني والأوروبي، ويوثق لقيام القوات الأمريكية بعمليات قتل جماعي للآلاف من الناس بالقرب من مزار شريف وفي إحداها قتلت أكثر من (3000) شخص حبسوا في حاويات مغلقة حتى الموت، لكن هل يحزن أحد لأجل الأبرياء عندما لا يكونون زرق الأعين شقر الشعور؟! وكأن هؤلاء ليسوا بشرا وكأنهم بعوض، وكأنه ليس لهم أحبة تمزقت أفئدتهم عليهم، لكن للأسف يبدو أنها الحقيقة المرة لعدالة هذه الدنيا، فعندما حصلت مجزرة صبرا وشاتيلا 18/9/1982 التي ذهب ضحيتها أكثر من(3500) مدني فلسطيني أغلبهم من النساء والأطفال وقامت محكمة عسكرية إسرائيلية لتهدئة الغضب العالمي بمحاكمة قائد لواء الوحدة الخاصة(101) التي أشرفت على المذبحة كانت النتيجة أن المحكمة اعتبرت أن قائد اللواء أخطا في فهم الأوامر وغرمته مبلغ(10) قروش أي ما يعادل 14 سنتا أمريكياً، قيمة حياة 3500 إنسان عربي، بينما دفعت ليبيا عشرة ملايين دولار عن كل شخص مات في حادثة لوكربي لـ270 أسرة، ولم تدفع أمريكا قرشا واحدا عن مئات الآلاف الذين قتلتهم في احتلالها، وفي الحالات النادرة التي دفعت فيها تعويضات لبعض العراقيين عندما تكون الحادثة فضيحة فالتعويض يتراوح ما بين (150-2500) دولار، فيا له من فرق فاضح بين قيمة حياة الإنسان الغربي وغير الغربي، ولو أظهر المسلمون مآسيهم بالطريقة التي اتبعها الأمريكان مع ضحايا 11سبتمبر لما كان بابا الفاتيكان قال ما قاله، فالحجم الإعلامي غير المنصف الذي يعطى لمآسي ومظالم غير المسلمين بالمقارنة مع مآسي المسلمين ومظالمهم يترك انطباعات وصورا نمطية تولّد مواقف من قبيل موقف البابا.
bushra_sbe@hotmail.com