مهما كان الإنسان متفائلا فإن نظرة واحدة إلى الواقع الإسلامي الحضاري لابد أن تصيبه بكل أمراض الشدة النفسية والعصبية للمستوى البائس والمهلهل الذي وصل إليه، وأنا لا أحمل المسؤولية فقط للجهات الرسمية كعادة محترفي الندب السياسي، حيث صارت هذه الدعوى اسطوانة مشروخة وترفع المسؤولية عن أصحاب المسؤولية الحقيقية، وهما تحديدا فئتان تمثلان عماد التقدم الحضاري في المجتمعات الحديثة فئة العلماء-العلوم التجريبية-وفئة الأثرياء، ففي هذا العصر الذي نعيش فيه يعتبر العلماء والمتخصصون هم عصب الحياة الحضارية الصناعية والاقتصادية الحديثة، فالهند لم تحقق الثورة الاقتصادية والتكنولوجية-صارت أكبر منتج للبرمجيات عالميا-التي حققتها بقرار حكومي إنما حققتها بالعلماء والأثرياء الذين تعلموا وكونوا ثرواتهم في الخارج ثم عادوا لبلادهم وافتتحوا الجامعات الخاصة ذات المستوى الأكاديمي العالمي مما جعل عددا من أكبر شركات الإلكترونيات العالمية والأدوية والاتصالات تنقل أعمالها ومراكزها الرئيسية إلى الهند أو تستورد تلك العقول الثمينة التي تضخ لبلدها دخلا مرتجعا هائلا قبل أن تعود وتفيده بخبراتها، لكن بالنظر إلى العقول العربية المستوطنة والمهاجرة ماذا نرى؟ أين دورهم؟ أين أبحاثهم التطبيقية؟ أين دراساتهم وكتبهم؟ ولايقولن أحد إن العرب لا يقرؤون، فالعرب لا يقرؤون لأنه لا يوجد ما يقرؤونه، فمن يدخل على موقع الأمازون لبيع الكتب سيرى المؤلفات الأخاذة الميسرة والمشوقة والمبدعة للعلماء والمثقفين الغربيين التي تتناول حقائق ومكتشفات مدهشة لا توسع فقط آفاق الإنسان، إنما حتى تزيد من قوة إيمانه، فمثلا الإسقاطات الفلسفية لفيزياء الكم بات يستدل بها لتعزيز الإيمان بكل الماورائيات التي تحدثت عنها الأديان ومنها فرع بات يعرف «بفيزياء الوعي» والذي صار ميدانا للبرهنة على الروح وما يتعلق بها من ظواهر، كالدراسات التي تؤكد تأثير الدعاء والأمنيات الإيجابية على صحة المرضى وغيره مما لا يتسع المجال لحصره مما يأسر انتباه القارئ تلقائيا، لكن ادخل لأي مكتبة عربية ماذا سترى ؟! مع أن الأبحاث والدراسات في هذه الفروع الجديدة من المعرفة لا تحتاج لبنية تحتية مكلفة، فقط تحتاج للعقول والإرادة والمنهجية الصحيحة؟ ثم أين هو دور أثرياء المسلمين سواء في دعم قضايا مجتمعاتهم أو دعم البحث العلمي؟ للأسف لدينا حالة عامة من انعدام الشعور بالمسؤولية تجاه الذات والعالم، لأن الشعور بتلك المسؤولية يعني أن تشعر بأنك كفرد متعلم أو تملك الإمكانيات المادية فأنت ملزم بالمساهمة في النتاج الحضاري الإنساني، ومجرد أن تسمي نفسك مثقفا لا يعني أن إنتاجك جدير بالقراءة فالثقافة ليست صيغا أدبية ولا كتابة مذكرات خاصة ولا أن تقوم بالقص واللصق من كتب القدماء وتطبع عليها اسمك، وبالمثل الدرجة الأكاديمية، ونذكر أن اغلب الاكتشافات العلمية الحديثة كان كتاب الخيال العلمي قد تنبؤوا بها قبل سنين من تطويرها، فالمثقف دوره أمام العربة وليس خلفها، ويفترض أن يكون الجسر بين تطورات العصر والناس، أما بالنسبة للأثرياء، فنذكر أن الملياردير الأمريكي جون تمبلتون ينفق سنويا (40) مليون دولار لتمويل دراسات تعزز الإيمان بالله على ضوء الأبحاث والاكتشافات العلمية كما تقدم مؤسسته جائزة سنوية بقيمة مليون دولار لصاحب السبق، وسورس الملياردير المعروف أنفق أكثر من (15) مليون دولار لتغيير دفة السياسة الأمريكية العدوانية الحالية، وجيتس أثرى رجل في العالم أعلن تفرغه وزوجته لإدارة مؤسستهما الخيرية التي تبرع لها صديقهما الملياردير الأمريكي وارن بوفيت بمعظم ثروته-37 مليار دولار-للأعمال الخيرية، فأين أثرياء وعلماء ومثقفو المسلمين من كل هذا ؟! للأسف لا مشاركة ولا حضور لهم لا في دين ولا دنيا.
bushra_sbe@hotmail.com