في زمن صارت فيه مهاجمة الإسلام التسلية المفضلة للكثيرين في الغرب والشرق خاصة الذين ركبوا الموجة إما لتأثرهم بالصورة الإعلامية النمطية، أو لأنهم ببساطة يملكون ترف التسلي بالجدل حول قضية تمثل بالنسبة للكثيرين مسألة حياة أو موت، فتاريخيا ورغم أن أغلبية مجتمع يثرب من الأوس والخزرج الذين كانوا غارقين في حرب أهلية كانوا على غير الإسلام قبل الهجرة، إلا أن الجميع كانوا مستعدين لأي تضحية مقابل أن يأتي الإسلام إلى مجتمعهم لأنهم عرفوا أنه يمثل أملهم الوحيد في عودة السلام وسيادة النظام، وهذا ما حدث، ولما رأت القبائل العربية الغارقة في جنون الحروب القبلية الطاحنة هذا النموذج المشرق، عقدت أحلافا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وحتى العصر الحديث لا نزال نرى هذا التأثير المشرق للإسلام كعقيدة وكمؤسسات مع التحفظ على أوجه القصور في التطبيق المتعلقة بالظروف الموضوعية للمجتمعات، فحركة اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال أعادت مؤخرا الاستقرار والأمان للبلد بعد 15سنة من الفوضى وشلل الحياة الاقتصادية، وهي حركة تأسست عام1991عقب انهيار الحكومة وعانت تراجعا بعد أحداث11سبتمبر لأن أمراء الحرب استغلوا حالة الهياج العالمي في إطار الحملة الأمريكية على الإرهاب واتهموها بالارتباط بالإرهاب، ومؤخرا شجعت لجان من القيادات الشعبية وزعماء العشائر ورجال الأعمال والمواطنين حركة المحاكم الإسلامية على السيطرة على البلد، وبالفعل كان مجرد دخولهم لأي مدينة أو قرية يعني سريان النظام والأمان وعودة الخدمات ومؤخرا تم فتح ميناء مقديشو ورست فيه أول سفينة بعد أن أمنت من القرصنة، وأمن الناس على حياتهم وأعراضهم بعد أن كان مجرد الخروج للشارع مخاطرة كبرى، وربما أخذ البعض موقفا سلبيا مسبقا من الحركة بسبب النموذج الطالباني، مع العلم أن استيلاء الطالبان على السلطة الذي ساعد على فرض النظام ووقف صراعات أمراء الحرب كان مدفوعا ومؤيدا بالمطالبة الشعبية وفيما عدا مسألة خلط القيم والطباع القبيلة بالإسلام التي شكلت الصورة الذهنية السلبية لدى العالم عن الطالبان فإن لهم إنجازات يعترف بها حتى الخبراء الغربيون ،ففي دراسة (2004) للبروفيسور غراهام فارل-متخصص في علم الجريمة-جامعة لوبرو البريطانية، بين أن طالبان حققت ما يشبه المعجزة من حيث قضائهم على زراعة الأفيون في فترة قياسية لم تستطع القوى العظمى كأمريكا تحقيقها سواء في أفغانستان أو أمريكا اللاتينية، وقال «كونراد شيتر»من مركز الأبحاث التنموية، بون، في دراسة مشابهة (تمكن الطالبان عام2001بفضل شبكاتهم الدينية من وقف زراعة الأفيون، وقد انتعش اقتصاد المخدرات بعد طرد الطالبان وخلال ثلاث سنوات انتشرت زراعة الأفيون في كافة الأقاليم الأفغانية) وقد انخفضت الجريمة لأدنى مستوياتها في عهدهم. ونموذج آخر كان في رواندا (1994) إبان حرب إبادة الهوتو لأقلية التوتسي التي ذهب ضحيتها حوالى مليون إنسان وشارك فيها رجال دين مسيحيون، بينما كانت أحياء المسلمين التي يقطنها الهوتو والتوسي الملجأ الآمن الوحيد الذي لم تحدث فيه أعمال إبادة فأخوة الإسلام كانت فوق العصبية القبلية وقد لجأ إليها الكثير من المطاردين، وهذا ما جعل الإسلام ينتشر بشكل هائل بعد الحرب، فالإسلام صار بالنسبة للروانديين قوة النظام والسلام التي يمكنها أن تقيهم تكرار الويلات التي عاشوها، وفي أمريكا ذاتها هناك مثل جماعة (أمة الإسلام) التي بدأت كحركة معادية للبيض وكانت موضع رفض المجتمع الأمريكي، لكن الذي جعلها في النهاية تحظى بالاحترام والقبول هو أنها صارت تتبنى أسوأ الأحياء سمعة وتحولها لأحياء نموذجية بتنظيفها من العصابات والمخدرات والجريمة وبناء مرافق لخدمة المجتمع. وهذا هو الوجه الآخر للإسلام الواقعي الذي لا يظهره الإعلام.
bushra_sbe@hotmail.com