قبل حوالى اثنين وعشرين عاماً وداخل قاعة الدرس سألت طلابي عن طموحاتهم وآمالهم المستقبلية، سؤال تقليدي يسأله الناس للأطفال في مثل هذا العمر: ماذا تتمنى أن تكون في المستقبل؟
الإجابة التقليدية: هذا يريد أن يكون ضابطاً، وآخر يحلم بأن يكون طبيباً، وثالث يتمنى أن يصبح مهندساً. اختار التلاميذ أرقى المهن التي تجذب الناس بعامة والأطفال بخاصة.. إلا أن واحداً من بين تلاميذ الفصل خرج علينا بغير المألوف وقال:
أتمنى أن أكون صياداً برياً، أحمل أدواتي وأسلحتي وأصطاد من حيوانات البر ما أصطاد. ضحك زملاؤه لغرابة حلمه، وربما استخفافاً به، طلبت منهم احترام زميلهم، وتقدير رغبته، فلكلٍ ما يتمناه ويريده.
سنوات طوال مرت على هذه الواقعة، ومنذ شهرين فقط، دخل إلى مكتبي شاب وسيم المنظر، جميل الهيئة، عرفني بنفسه وذكرني بالواقعة، إنه نفس الطفل الذي كان يتمنى أن يصبح صياداً، لكن هيئته لا تدل على الإطلاق على تحقيق لأمنيته ورغبته، سألته عما صار إليه شأنه فأخبرني أنه ولله الحمد، مهندس ناجح في إحدى الشركات.
يا الله.. حلم الصيد البري، يتحول إلى واقع الهندسة. سألته: كيف أصبحت كذلك؟
أجابني: اجتهدت، وثابرت، وصابرت، وسهرت الليالي، فإذا بي ما أنا عليه.
سألته، ولم أكن أتوقع إجابته عن سائر رفاق فصله، وإذا ما كان على صلة بهم، وعما صاروا إليه. من منهم الضابط، ومن منهم الطبيب، ومن منهم الطيار؟!
أجابني: قليل منهم قد حقق أمنيته وكثير هؤلاء الذين لم يكملوا المشوار، سقط بعضهم في البداية، ولم يحصل على الشهادة الابتدائية، وبعضهم توقف عند المتوسطة وآثر الخلود إلى الراحة، وبعضهم -بالكاد- حظي بالثانوية العامة، والقلة هي التي واصلت، وحققت بعض ما حلمت به، وتمنته، منذ الطفولة..
إنه الطموح إذن..
إنه الإرادة والإصرار..
إنه الجد والاجتهاد..
إنه مواجهة الواقع..
إنه علو الهمة..
هكذا حققت كل هذه القيم آمال البعض حينما توفرت بصدق وإخلاص، وهي ذاتها التي قادت البعض الآخر إلى التوقف والفشل، حين اختفت من قواميس حياتهم، وحين لم تجد لها تطبيقاً في سلوكياتهم..
يمكن للمرء أن يحلم بما يشاء وكيفما شاء، فالحلم حق من حقوق الإنسان، بل لا يمكن لمخلوق أن يمنع آخر من أن يحلم، وإن اتسعت أحلامه..
ويمكن للمرء أن يتمنى ما شاء.. وكيفما شاء.. فالتمني -أيضاً- متاح للجميع، ولا يمكن تحديده أو تقنينه. لكن، هل تحقق الأحلام، وتحقق الأماني -وحدها- واقعاً ملموساً يمكن لنا أن نحسه ونشعر به؟!
لابد أن يرافق الأحلام، ويزامن الأماني، عمل دؤوب وجهد متواصل، ومثابرة وصبر، وإخلاص وتفان، أما إذا افتقدنا هذه القيم الملازمة، فالأحلام سراب، والأماني كذب، ومتى يجني المرء شيئاً نافعاً من السراب والكذب. فلنحلم كما نشاء، ولنتمنى ما نريد، ولكن ثق يا أخي أن هذا كله لن يجعلك تتقدم خطوة واحدة، إذا لم تحصّن نفسك، وتدعم حلمك، وتقوى أمانيك بالعلم والعمل..
دارت كل هذه الخواطر والمعاني، وأنا أنظر إلى طفلي «الصياد» وقد أصبح شاباً يافعاً، ورجلاً.. الصياد أصبح مهندساً بالعلم والعمل.. والمهندس والضابط والطبيب، أصبحوا «في خبر كان» حين تخلوا عن العلم والعمل..
حقاً:
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
Rashed@hotmail.com