هل تعرف لماذا يعرض إعلان لماركة شامبو شهيرة الاستحمام به على أنه أشبه بتجربة جنسية بكل إيحاءاتها الفجة؟ أو لماذا يتشكل في إعلان لماركة شوكولاته شهيرة مظهر جسد أنثوي في الشوكولاته المنسابة إلى قالبها يلي مظهراً إيحائياً آخر غير بريء؟ الجواب هو أن المعلنين يستخدمون تقنية تعرف «بالرسائل المستهدفة للاوعي» وتلك الإعلانات تسمى Subliminal Advertisement أي «إعلانات تستهدف اللاوعي» فمن المعروف أن إدراك الإنسان ينقسم إلى قسمين قسم واعٍ وعقلاني وقسم آخر هو اللاوعي المختص بالوظائف الآلية والغرائز، وما تفعله تلك الإعلانات هو تمرير رسائل رمزية إلى اللاوعي بدون أن تمر عبر مصفاة الوعي وعادة ما تتعلق بالغريزة وممنوعات المجتمع وتكون بشكل صور رمزية أو مشاهد إيحائية أو كلمات أو أصوات لا يدركها الوعي، وتأثيرها كتأثير التجربة الشهيرة للعالم بافلوف 1927 رائد تقنية غسيل الدماغ، حيث لاحظ زيادة إفراز لعاب الكلاب عند الأكل، فجرب إسماع الكلاب صوت جرس قبيل الطعام، فصار لعابها يسيل لسماعه حتى بدون الطعام، ويقاس هذا المثال على المستهلك بأنه عندما يرى سلعة ما فهو ينجذب لشرائها ليس لذاتها بل لارتباطها بمثير غرائزي أو بصورة ذهنية جذابة خلقها المعلنون في لاوعيه، وأولى التجارب في مجال الإعلانات التي تستهدف اللاوعي كان في دار للسينما في «نورت لي» نيوجرسي 1957، حيث تم عرض جملتين على شاشة السينما كفلاش لا يمكن رؤيته لسرعته، وهما (اشرب الكولا) (كل الفوشار) فارتفعت مبيعات الكولا بنسبة 5ر75ومبيعات الفوشار بنسبة 1ر18% وحديثاً هناك تجربة للدكتور «كينث باوكر» من جامعة كوينز، نيويورك، حيث قام بعرض فلاش على المتطوعين لا يمكن رؤيته لسرعته وكان لكلمة بلاستيك، ثم طلب منهم اختيار كلمة تتضمن حروف P.A.L فاختاروا جميعاً كلمة بلاستيك، ولعل أشهر استخدام لتلك التقنية كان في الحملة الرئاسية الأولى للرئيس بوش الابن (2000) حين ظهر في إحدى الدعايات الانتخابية وصف لمنافسه آل جور بأنه من البيروقراطيين (Bureaucrats) وفي الخلفية ظهر فلاش خاطف بأحرف كبيرة لكلمة «فئران» التي تمثل الأحرف الأربعة الأخيرة للوصف الذي وصف به خصمه، ولأن الفئران شيء منفر فهي تولد شعوراً في اللاوعي بالنفور ممن تم ربط اسمه بها، وقد اضطر بوش للاعتذار عن استخدام هذه التقنية خاصة وأنها غير قانونية في أمريكا وكندا وروسيا وغيرها، لكن تلك التقنية التي تنتهك حرية الإرادة والاختيار للأفراد ليست محصورة في الإعلانات، فصناعة الموسيقى تشتهر بها سواء في الأغاني المصورة أو حتى كأصوات تحت مستوى السمع البشري لكنها تصل إلى اللاوعي، وتتهم الفرق الموسيقية الغربية بتضمين موسيقاهم رسائل تمجد الشيطان أو تحض على العنف والانتحار، وقد رفع أولياء أمور مراهقين قضية ضد فرقة (يوداس بريستس) بعد أن أقدم المراهقان على الانتحار اثر استماعهما لشريط للفرقة يتضمن عبارة غير مسموعة تحض على الانتحار، وهناك الشكاوى التي قدمت ضد فيلم ديزني الكرتوني الشهير «الملك الأسد» بسبب تضمنه فلاشاً خاطفاً لكلمة «جنس»، وبالطبع يختلف الناس في درجة تأثرهم برسائل اللاوعي فصغار السن والأشخاص الذين لا يكون الإدراك العقلاني عندهم هو الأساس هم الأكثر قابلية للتأثر بها، وكثرة التعرض للإعلانات والموسيقى والأفلام وحتى مواقع الإنترنت التي تتضمنها يولد لدى المتلقي حالة من القلق والتوتر الدائم والإحباط والكآبة المتولدة عن الشعور بعدم الإشباع. ولذلك يتوجب على الجهات الرقابية العربية سن قوانين تجرم استعمال هذه التقنية في الإعلانات أسوة ببقية دول العالم، ولابد أن يواكب هذا تنمية لوعي المستهلك العربي ليصبح قراره بشراء سلعة ما قائماً على المعطيات الموضوعية للسلعة كالمعلومات المرفقة وليس قراراً عاطفياً غير واعٍ.
bushra_sbe@hotmail.com
ص.ب 6123 مكة