أحيانا لفهم أعقد الظواهر نحتاج لأن ننظر لأصغر وحداتها الأساسية، وإذا أردنا أن نكون فهما أكثر جذرية لمسببات عدد من الظواهر الخطيرة التي انتشرت مؤخرا، فيجب أن ننظر إلى مستوى الأفراد ودوافعهم الفردية النفسية الأساسية، ظواهر مثل انتشار خلايا العنف السياسي العقائدي، وظاهرة فوضى السلاح بين الفصائل الفلسطينية التي سفحت الدم الفلسطيني باليد الفلسطينية وكانت الشغل الشاغل قبل حملة العدوان الإسرائيلي الأخيرة، وبالطبع جماعات العنف الطائفي والحزبي في العراق وغيرها، ولفهم المشترك بين هذه الظواهر بشكل مبسط علينا تأمل ظاهرة عصابات العنف الرياضي المنظم التي تنتشر في أوروبا تحديدا والتي تجسد مثلا واقعيا للدوافع الفردية الأساسية التي تغذي تلك الظواهر الأكثر تعقيدا، وقد جسد هذه الفكرة فيلم بريطاني أمريكي شهير «جرين ستريت الهوليجنز» 2005 للمخرجة «لكسي ألكسندر» و«الهوليجنز» هم عصابات العنف الكروي، وتدور أحداث الفيلم حول شاب أمريكي «إيلايجا وود» يطرد ظلما من الجامعة، فيغادر إلى بريطانيا وهناك يتعرف على مجتمع الهوليجنز وينضم لإحدى عصاباتهم، وفي مقطع يقول أحد أعضاء العصابة وهو يشرح طبيعة العلاقة بين جماعات الشغب الخاصة بكل فريق إن العلاقة بين جماعتهم وجماعة الشغب الخاصة بفريق منافس هي أشبه «بعلاقة الكره بين الفلسطينيين والإسرائيليين». وما جذب الشاب الأمريكي غير المهتم أصلا بكرة القدم للانضمام لتلك العصابة العنيفة رغم نفوره من العنف وتعرضه المستمر للأذية وخطر الموت هو أنها أشبعت لديه حاجة الشعور بالانتماء والولاء والتضامن والأخوّة، ولذلك قال بعد انضمامه لها «أنا لم أكن قط أقرب للخطر من الآن لكني لم أشعر بالأمان قط كما أشعر به الآن»وهذا هو جوهر عنصر الجذب الذي يجذب الشباب لجماعات العنف سواء أكانت جماعة هوليجنز أو الخلية التي فجرت مترو أنفاق لندن أو التي ألقي القبض عليها مؤخرا بزعم تورطها في التخطيط لتفجير طائرات، وهذا تماما ما توصل له مارك ساجيمان مستشار الحكومة الأمريكية للإرهاب بعد دراسة سيرة (400) عضو في القاعدة، فضعف الانتماء للمحيط يولد العصبية لانتماء بديل وعنصر الخطر الخارجي يعزز رابطة التضامن التي تحقق الأمان النفسي لأفراد الجماعة في إطار جماعتهم، وهذا مبدأ تعتمده حتى أمريكا كدولة فلكونها مجتمع مهاجرين يفتقر للعمق الحضاري الموحد، تحتاج باستمرار لعدو مفترض لتشكل عداوته اللحمة التي تبقي المجتمع متضامنا وموحدا. والفرد في المجتمع الحديث الذي توسع وتفككت فيه أواصر العائلة والمحيط، بات يشعر بشكل متزايد أنه مهمش وعاجز في مواجهة تحديات هذا العصر ومؤسساته الكبرى، وهذا ما يجعل الشباب الذين يعيشون هذا الفراغ النفسي ينجذبون للانضمام لجماعات مهما كان موضوع رابطتها ليشعروا بأمان رابطة الولاء والانتماء والتضامن الذي توفره لهم، والعنف عادة ما يكون شيئاً هم مستعدون لتحمله كتضحية وضريبة لحصولهم على تلك الفوائد الأخرى، ولهذا هم أشخاص طبيعيون في حياتهم العادية والعائلية، وعدم فهم هذه الحاجة النفسية العميقة للشباب وافتراض أنه يمكن بالمزيد من تضييق الخناق عليهم ووضعهم تحت مجهر الاتهام أو توسيع مجالات اللهو أمامهم إبعادهم عن جماعات العنف مهما اختلفت دعواها هو فهم سطحي ومبسط للدوافع المعقدة للإنسان، فهناك علاقة عكسية بين ضعف أواصر الانتماء والولاء النفسي للمحيط والمجتمع وبين رغبة الإنسان بالالتحاق بجماعات تشبع لديه تلك الحاجة النفسية، والانتماء هو الحاجة الإنسانية الأولى بعد الحاجات البيولوجية الأساسية، والمشكلة أن عصر العولمة يريد الناس أن ينتموا لكل ما لا يشبع لديهم حاجة الانتماء الحقيقي، وهذا ما ينذر بتفاقم أزمة الانتماء عالميا ومضاعفاتها على الفرد والمجتمعات.
bushra_sbe@hotmail.com