في تاريخ كل أمة أحداث ومنعطفات تاريخية يجب أن يتسامى فيها الجميع فوق كل الاعتبارات الشخصية والفئوية والآنية لتحويلها لمنطلق وأساس جديد يمكن بالبناء عليه قلب الموازين السائدة لصالح رؤى استراتيجية جديدة للمستقبل، ونحن في هذه الأيام نعايش حدثا من هذا النوع وهو بالطبع انكسار إسرائيل وهزيمتها المجلجلة في إطار عدوانها على لبنان، فصدى سقوط المباني التي دمرتها إسرائيل بالسلاح الأمريكي على رؤوس أصحابها في لبنان وصل إلى الأساس المعنوي للدولة الصهيونية وأصابه بالتصدع، وبالطبع من المؤسف أن حدثا استثنائيا من هذا النوع يتعرض لخطر أن يحدث له ما حدث للانتفاضتين الأولى والثانية وهو الانهماك في التنافس والتشاحن على غنائم النقاط السياسية الرخيصة الآنية ونسيان أن الغنيمة الحقيقية في أية معركة هي الغنيمة المعنوية والأخلاقية والاستراتيجية، وإسرائيل قد خسرت وانكسرت على الجبهات الثلاث، ولذلك فنحن أمام فرصة تاريخية لتغيير مسار الحاضر الكارثي الذي تعيشه المنطقة إذا تحمل الجميع مسؤولياتهم وتساموا فوق الاعتبارات الشخصية لصالح الأمة والمستقبل، فالفوز بأية معركة لا يصبح نصرا إلا إذا تم البناء على مكتسباته المعنوية والاستراتيجية، ولنراجع باختصار بعض معالم فوز الطرف العربي بهذه المعركة:
- تحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وتكوّن مرجعية جديدة للنفسية الجماعية العربية بإمكانية هزيمة إسرائيل خاصة مع تمتع الجانب العربي بعنصر التفوق النوعي للإنسان المؤمن بقضيته، فأكثر أسلحة العالم تطورا وتدميرا لن تتمكن من تحقيق انتصار الحسم في أية معركة في ظل ضعف البنية المعنوية للعنصر الإنساني.
- تكوّن عقدة لدى إسرائيل تشبه عقدة حرب فيتنام لدى الأمريكيين من شأنها جعلهم يتهيبون من التورط في مواجهة عسكرية مفتوحة أخرى، والصحف العبرية واستطلاعات الرأي فيها الآن لا تتساءل إذا ما كانت إسرائيل انتصرت أو هزمت إنما تتساءل عن المسؤول عن الهزيمة ومن يجب أن يستقيل ومن يجب التحقيق معه.
- سقوط المشروع الأمريكي «الشرق الأوسط الجديد» وذلك بعد سقوط نسخته الأولى المسماة «بمشروع الشرق الأوسط الكبير» بعد عدم تمكن الإدارة الأفغانية المدعومة أمريكيا من بسط سلطاتها على البلاد بعد ست سنوات على الاحتلال وعودة تجمع قوى حركة طالبان وتحول العراق لمستنقع للتناحر الطائفي والحزبي.
- تجديد وحدة الوجدان الجماعي للأمة الإسلامية والذي يمكن بالبناء عليه تحقيق رؤية استراتيجية للمنطقة تحميها من السقوط نهبة للأطماع العولمية، كما رأينا مع المظاهرات في تركيا وحملات التبرع بالدم والإغاثة واستقالة أعضاء من البرلمان التركي من لجنة الصداقة التركية الإسرائيلية وانضمامهم للجنة الصداقة الفلسطينية واللبنانية وهذا تحرك يمثل رمزية للتحول الاستراتيجي المأمول.
- في أجواء الفتنة الطائفية والعرقية في العراق التي تهدد بالاستفحال إلى خارج حدوده رأينا مظاهرات تأييد للمقاومة من جميع الفرقاء بما فيهم الأكراد، والبناء على هذا التعبير عن وحدة الوجدان والمصير هو الوسيلة الوحيدة لإخراج الوضع العراقي من النفق المظلم الذي ادخله الاحتلال الأمريكي فيه.
- في أعقاب السقوط الصادم والسريع للعراق الذي كان يعتبر أقوى قوة عربية أصيب الإنسان العربي بانكسار نفسي عميق واجتاحت المنطقة ثقافة تحقير وجلد الذات العربية المسلمة، لكن بعد الانتصار الذي تحقق في المواجهة الأخيرة مع أقوى قوة في الشرق الأوسط والمدعومة من أقوى قوة عالمية أمريكا، وتفوق الطرف العربي بالعنصر الإنساني استعادت الذات العربية المسلمة الكثير من كبريائها وثقتها بالنفس، والحالة المعنوية لأية أمة هي ركيزة نهضوية ومعطى قوة تماما كالعدد والعتاد، وليس من الغوغائية الحديث عن هذا المكسب الهام إنما من الغوغائية تحقيره وتضييعه وعدم البناء العملي عليه.
bushra_sbe@hotmail.com