علي غرسان (مكة المكرمة)تصوير: صالح باهبري
في دكان صغير يسبح في غبار الاتربة وتفوح منه رائحة البارود يجلس سليم البندقجي منذ قرابة نصف قرن وهو يداعب شتى أنواع الاسلحة النارية التي ظلت طيلة هذه السنوات هي معشوقته يبثها همومه غير آبه بندرة الزبائن وغيابهم طالما انه يمارس مهنته من باب الهواية اكثر من مهنة في حد ذاتها، فقد أدمن رائحة البارود منذ أن كان والده «معمر الاسلحة» الأول في البلد حتى أنه عين مهندساً للشرطة آنذاك.مهنة أشبه بالموت لاسيما أن الخطأ فيها يدفع ثمنه غالياً إلا ان «البندقجي» كما يحلو لزبائنهم تسميتهم عشقوها وتشبثوا بها حتى اليوم فلا يزال محلهم مفتوحاً رغم غياب لوحاته الاعلانية. فهذا العم سليم سالم البندقجي ستون عاما لايزال يتكئ داخل دكانه بالرغم من غياب الزبائن عنه.
ذاكرة الصبا
يسترجع «البندقجي» أيام صباه عندما كان يعمل صبياً في محل والده بسوق المعلاة.. يقول: كانت أياماً جميلة ورائعة بالرغم مما تحمله في طياتها من مشاق وتعب، فكنت انتظر بفارغ الصبر صوت جرس المدرسة لانطلق منها فورا صوب «الدكان» الذي استهواني وخطف لبي منذ الصغر فقد أدمنت رائحة البارود وغبار المقاميع.. حيث كان والدي أشهر من يصلح الاسلحة في المنطقة وكان زبائنه يأتون من كل حدب وصوب حتى استعاض عن اسم عائلتي «آل عبدالحميد» باللقب الشهير «البندقجي» هكذا كان يفضل الناس تسميته حتى صار اسمه كذلك حتى اليوم.. وقد كان والدي يعمل مهندساً للشرطة وهو يقوم بمهام اصلاح ما يتلف من أسلحة بندقية في أقسام الشرطة والمخافر ودائما ما يحرص على اصطحابنا معه الى دكانه الضيق بسوق المعلاة الذي لاتتجاوز مساحته 2*2 لكنه يدر علينا دخلاً وفيراً لاسيما أنه كان الوحيد آنذاك.
ويضيف سليم البندقجي: عشقنا هذه المهنة وتعلقنا بها منذ الصغر حيث اكتسب هذه المهنة اثنان من اشقائي «سامي» الذي لايزال يقف معي في المحل حتى الآن حيث لم نكن نعرف المقاهي كما يفعل اندادنا بل جل وقتنا في المحل بين أكوام الرصاص والبارود فعمل على صيانة الأسلحة التي كان من أشهرها «المرزمل» و«أم خمس» و«المقمع» و«السوجن».. كانت جميعها بضائع لزبائن نقوم بإشراف والدنا بصيانتها ونعمل على تنظيفها دوماً.
تفقد السلاح
وحول المخاطر التي قد تعترضهم في هذه المهنة يقول: أبرز الصفات التي ينبغي على من يتعامل مع الاسلحة مراعاتها هي الحذر والحيطة حيث أن المفاجآت قد تكون غير سارة في هذه المهنة فاللعب بالنار غير مقبول هنا ونحن نحرص على أن نتفقد السلاح فور استلامه من الزبون فربما يكون بداخله رصاص وعادة ما نجد ذلك بعد أن ينساه الزبائن في الاسلحة ولا ننسى ذات يوم عندما انطلق عيار طائش من بندقة «سجون» جلبها للاصلاح أحد الزبائن كان الموقف خطيرا إلا ان أحداً لم يصب بمكروه حيث تطاير الرصاص في سقف المحل لذا ينبغي دوماً الحرص والحذر.
ولأن المحل بدا متهالكاً. وقديماً قال سليم: حاولنا الحصول على تصاريح نظامية للتوسع في هذا المحل إلا ان الجهات المعنية واجهتنا بعشرات الشروط التي هي أشبه بدفن لهذه المهنة لذا اكتفينا بهذا المحل بالرغم من أننا نعمل وفق الانظمة حيث لا نجدد السلاح، ونقوم بصيانته مالم نتأكد من نظامية صاحبه وحصوله على التصريح اللازم وهذا واجبنا الوطني.
فنأمل مساعدتنا في الحصول على تصاريح نحمي بها هذه المهنة من الاندثار.