يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة إن شيوع الحالة المعنوية المرتفعة لدى أفراد أي أمة هو ضرورة أساسية لنهضتها الحضارية والتنموية، لأن الإنسان السعيد الذي لا يعاني من وطأة القهر أو الفقر أو الاستبداد أو الإحباط والانكسار الجماعي هو إنسان حر وعالي الهمة وطموح ومتطلع لما هو أبعد من تأمين احتياجات الحياة الأساسية، وهذا ما يجعل العلوم والتجارة والصناعة والفنون تزدهر بل حتى إن الذرية التي تنشأ في مثل هذه الظروف تكون أفضل أخلاقا وإنجازا من تلك التي تنشأ في أجواء اليأس والإحباطات وضعف الهمة الخاصة والعامة، وقد تحدث «ديورانت» صاحب موسوعة «قصة الحضارة» الشهيرة عن ذات المبدأ، حيث قال إن مسيرة التفوق الحضاري لأي أمة تبدأ بسيادة روح جماعية مشتركة متفائلة تمثل وعي وآمال تلك الأمة وجذور وحدتها وبذور الطموح والحماسة والإبداع والتفوق الذي سيقودها إلى تحقيق الأحلام والتطلعات المشتركة، والعكس صحيح فانطفاء تلك الروح في نفوس الناس هو المؤذن بالانحدار الشامل لأي أمة، وإذن فالروح السائدة في أي أمة هي المؤشر الحقيقي على حالها كما أنها المفتاح لتغيير تلك الأحوال سلبا أو إيجابا (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فهناك علاقة تكاملية وانعكاسية بين ما في نفوس الناس وبين واقعهم، وهذا هو أهم منطلق إستراتيجي مهمل في العالم العربي والإسلامي، فالتنازلات التي تحدث باسم التنمية هي في الواقع تناقض الغاية منها لما تولده من إحباط جماعي وانطفاء للروح المعنوية الهامة للتنمية، فالأفراد كأشخاص مبتكرين ومبدعين وخلاقين ومتحمسين ومغامرين هم المحرك لأي بعث حضاري وتنموي حقيقي، ومثل هذه النوعية من الأفراد لا يمكن أن توجد إلا في بيئة تسودها روح جماعية تحمل معاني الحرية وحس النهضة والحلم الكبير والكبرياء الجماعي والتصورات الإيجابية عن الذات الجماعية متزاوجة مع قيم وحقائق تجسد تلك التصورات، وبالنظر إلى الواقع لا أعرف من أين يمكن للإنسان العربي المسكين أن يجد مصدرا ولو ناضبا لمثل هذه الروح، خاصة أننا في هذه الأيام نعايش أحداثا عصفت كليا بالحالة المعنوية للناس الذين لا يملكون سوى التسمر بأسى أمام الشاشات لمتابعة آخر أخبار المجازر الإسرائيلية في لبنان وفلسطين وأعداد ضحايا مفارم اللحم وفوضى الدم في العراق وبالطبع من ينسى جوانتنامو وصور أبوغريب الرهيبة التي حطمت صورة الكبرياء الأسطوري للرجل العربي هذا عدا تراكمات هزائم وانكسارات ونكبات قرن بكامله لا تزال حية بتبعاتها المتجددة والمتجذرة في حياتنا، فلو كان الإنسان العربي جبلا من التفاؤل والحماس والحيوية لهده ثقل الإحباط أمام تلك الأحداث التي يجب بالفعل أن يكون أسلوب التعاطي معها مراعيا لأن يكون الهدف ليس فقط «لفلفة الموضوع» إنما التعاطي معها بشكل يراعي الأثر المعنوي الذي سيتركه أسلوب التعاطي هذا على النفسية الجماعية للناس، فأحيانا يكون أسلوب التعاطي مع أزمة ما أسوأ من الأزمة ذاتها من حيث الأثر النفسي الذي يتركه أسلوب التعاطي هذا لدى الناس، وللأسف فالموقف الذي ساد مؤخرا في الثقافة الصحفية والإعلامية العربية التي تحقر من نبض الشعوب ومشاعرها وتطلعاتها هو موقف أقل ما يقال عنه انه لا يخدم لا حاضر الأمة ولا مستقبلها، ويجهل أساسيات كيمياء التقدم والتنمية الحضارية والبشرية التي جوهرها الإنسان، وجوهر الإنسان هو محركاته النفسية والمعنوية، وفي علم الإستراتيجيا تعتبر العاطفة الجماعية معطى قوة تماما كمطعى العدد والعتاد، وصدق القول المأثور عن المسيح عليه السلام (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان).

bushra_sbe@hotmail.com