يظل الادعاء بالإعسار (رغم مشروعيته ونظاميته) أحد المعوقات الكبيرة التي تحجب الحقوق عن أهلها بل أكثرها إجحافا وقهرا على الأقل من وجهة نظر ذلك الإنسان الذي أمضى سنين عديدة وهو يسعى جاهدا لاسترداد فلوسه (وتحويشة عمره) فبعد أن أجرى المحاولات الودية وغير الودية وبعد أن جرب صبر أيوب مع المحاكم الشرعية حتى استصدر حكما نهائيا لصالحة، وبعد أن أتخذ كافة الإجراءات التنفيذية عبر الحقوق المدنية، هاهو المحكوم عليه وقد تم إيداعه السجن أخيرا، يطلب إحالة المعاملة من جديد إلى المحكمـة المختصـة لتنظـر في إعساره وإمهاله إلى حين ميسرة !!
من بين الجلسات التي حضرتها أمام المحكمة العامة بجدة كمحام، والتي لا زالت تفاصيلها عالقـة بمخيلتي جلسة تتعلق بدعوى إعسار، كانت القاعة ممتلئة عن آخرها بالحضور، فاعتقدت في البداية أن لمبدأ (علانية الجلسات) دورا في ذلك، قبل أن يتضح لي بأن جميع الحاضرين جاؤوا إلى هذا المكان لمواجهة (مدعي الإعسار) ذلك الشخص الذي كانت الأنظار (بما فيها من شرار متطاير ) تتجه نحوه وهو يجلس بالصف الأمامي، ويلف الشماغ حول عنقه، ويداه في الكلبشات، ويحيط به اثنان من العسكر !.
لقد تعودت أن أرى متقاضين محتقنين ومتشنجين، لكن ليس إلى هذه الدرجة، فحين صادق مدعي الإعسار على صحة كافة المبالغ التي صدرت فيها أحكام نهائية، قال أحد الحضور بنبرة يملؤها الغيظ والحسرة : طيب وش الجديد نعرف أنك مصادق لكن وين الدراهم تعبنا ومرضنا وإحنا نطرد وراك ؟!. وعندما ذكر مدعي الإعسار بلهجة لا تخلو من التحدي: أنا معدم وليس لدي مال وهذا آخر كلام عندي !. رد عليه آخر وقال له بالفم المليان: إلا تبي تنق إلي عليك غصب عنك!، وحين حاول إيصال رسالة معينة إلى خصومه بقوله : لقد شملني العفو وسيتم الإفراج عني بعد أن أتممت نصف مدة المحكومية في الحق العام، عندها، وقفوا جميعا وكادت فوهة بركان غضبهم أن تنفجر بما فيها من حمم ملتهبة وأحقاد دفينة!..
لقد تمت تهدئة الوضع بصعوبة، وبعد عدة جلسات وبحمد الله وفضله كسبنا القضية، وجاء منطوق الحكم على لسان القاضي متضمنا (صرف النظر عن دعوى الإعسار ) لكن غضب الحاضرين واحتقانهم أعماهم كليا عن فهم الحكم، حيث إنهم ظنوا بأنه ضدهم لا لصالحهم، ولهذا وضح جليا على ملامحهم ( قهر الرجال ) الذي نتعوذ منه جميعا، فأخذوا يصرخون ويتوعدون بأنهم لن ولن يتركوا حقوقهم تضيع هكذا !.