قرأت في مجلة اليمامة مقالين متواليين لفضيلة القاضي الدكتور ناصر بن زيد الداوود الذي يكتب في هذه المجلة مقالاً أسبوعياً تحت عنوان «تطلعات قضائية» يناقش فيه بعض أوضاع جهاز القضاء والأنظمة التي وجه ولاة الأمر بوضعها لتمكين القضاء من أداء مهامه الخطيرة، في الفصل بين الناس في أمور تتصل بالحقوق والدماء والأعراض والأخلاق والعلاقات الأسرية وغيرها من الأمور التي شرع الله فيها التقاضي إلى القضاة للحكم فيها بما أنزل الله في الكتاب من حق وعدل، وقد سبق لي التعليق على مقال سابق للقاضي الداوود وجدت أنه ينير فيه الطريق للقارئ لمعرفة خلفيات عن موقف بعض العاملين في المحاكم إزاء ما صدر من أنظمة حديثة مثل نظام المرافعات الشرعية ونظام الجزاءات، ولكن مقاليه الجديدين اللذين نشر الأول منهما بتاريخ 11/2/1427هـ والثاني بتاريخ 18/2/1427هـ تحت عنوان موحد هو «إعفاءات القضاة»، جعلاني أعود للتعليق على ما كتبه هذا القاضي الحصيف لأهمية ما ذكره في مقاليه اللذين يعالجان موضوعاً واحداً عبر عنه العنوان الموحد للمقالين.
لقد راجع الكاتب نظام القضاء في عدد من مواده ومنها المادة «82» والمادة «74» والمادة «75» والمادة «73» والمادة «76» والمادة «77» والمادة «80» والمادة «81» وغيرها من المواد التي اشتمل عليها نظام القضاء، راجع تلك المواد ليصل إلى القواعد الست التي حددها في مقاله لتصبح بعدها العقوبة المتخذة ضد أي قاضٍ عقوبة نظامية تتماشى مع نظام القضاء الصادر بمرسوم ملكي كريم.
وبعد أن سرد الكاتب القواعد الست مدعماً كل قاعدة بما يتفق عليه من مواد واردة في نظام القضاء خرج بنتيجة هائلة لخصها في السطور التالية التي أنقلها نصاً لا تصرفاً حيث قال الكاتب «هذه المتطلبات الستة، أستطيع القول إنها لم تطبق جميعها في حق جميع من تعرضوا لقرارات الإعفاء أو الفصل من الوظيفة أو الإحالة على التقاعد، وذلك عيب نظامي يأتي على القرارات بالإبطال ويعرض الجهات ذات العلاقة للحرج أمام القضاة الذين صدرت بحقهم تلك القرارات وأمام التاريخ عبر العصور ولو أدرك القائمون على إصدار تلك القرارات ذلك لما أقدموا عليها!!».
ويفسر الكاتب القاضي سبب افتقاد بعض قرارات الإعفاء لمتطلباتها النظامية المنصوص عليها في نظام القضاء، مع اطمئنان الجهة التي أصدرت تلك القرارات على سلامة العاقبة، كون المادة «81» من النظام نفسه تعتبر قرارات مجلس التأديب غير قابلة للطعن! وتلك هي قاصمة الظهر بالنسبة لمن صدرت ضدهم القرارات، لأنه لو كان هناك مجال للمراجعة والطعن فقد يظهر للجهات المعنية أن بعض القرارات الصادرة لم تستكمل جوانبها النظامية، ولكن واقع الحال يشير إلى أن المتضررين من القرارات لا يجدون من يلتفت إلى شكواهم لأن القرارات غير قابلة للطعن، ويرى الكاتب أن الحل الذي تبرأ به الذمم هو أن يفتح المجال للتظلم من قرارات الإعفاء قبل صدور الأمر بتنفيذها، وأن يكون ديوان المظالم هو الجهة التي تفصل في التظلم بالارتكاز على نظام القضاء للتأكد من سلامة إجراءات الإعفاء، لأن القاضي هو موظف لدى الدولة ومن حقه مثل غيره من الموظفين اللجوء إلى ديوان المظالم للتظلم لديه فلا يكون مجلس التأديب في هذه الحالة هو الخصم والحكم، فإن وَجَد ديوان المظالم أن إجراءات الإعفاء سليمة وكاملة من الناحية النظامية أيّد قرار الاعفاء وإلا روجعت الجهة التي أصدرت القرارات فيه لأن الحق أحق أن يُتبع!
وليس لي تعليق مُسهب على ما جاء في مقالي فضيلة القاضي الدكتور ناصر الداوود سوى التأكيد على أن من حق أي مواطن في هذه البلاد بمن في ذلك القضاة أن يجدوا في الأنظمة التي ترعاهم وتنظم شؤونهم ما يضمن لهم ألا يظلموا أو يُظلموا وألا تكون عقوبة إلا بنظام وبعد تحقق وتحقيق وأن يظل المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته وأن تكون العدالة والحق رائد الجميع والله الهادي إلى سواء السبيل.