بالرغم من الأمن والأمان الذي ننعم به، إلا أن كل مواطن أو مقيم على هذه الأرض الطاهرة معرض للابتلاء في أية لحظـة، فقد يبتلى الإنسان في ماله، أو نفسه، أو في عرضه ( لا قدر الله ) حتى ذلك الإنسان المسالم الـذي لا له ولا عليه، قـد يضعه القدر يوما أمام امتحان مفاجئ يصعب اجتيازه فتتحكم حينها عواطفه ومشاعره بتصرفاته وردود أفعاله بدلا عن عقله وحنكته وذكائه !
هناك حكايات واقعية عديدة، دائما ما تتكرر على مسامعنا بين الفينة والفينة، وإن كانت الأسماء والأماكن تختلف من حكاية لحكاية، إلا أن الوقائع غالبا ما تتشابه وتتطابق فيما بينها إلى حد كبير، عـادة ما تبدأ فصول الحكايـة بأن فلانا من الناس رجع إلى بيته متأخرا فوجد أبناءه في فورة غضب شديدة، وبعد سؤاله لهم عرف أن فلانا ابن فلان (ما غيره) قام بالاعتداء على أحدهم أو قام بتلطيخ شرف العائلة، عندها يشحذ الأب همم أبنائه من أجل الدفاع عن شرف العائلة، فيترصدون لذلك الشخص ويوسعونه ضربا وركلا حتى يسقط مضرجا في دمائه (وليتهم يكتفون بذلك) بل يقومون بتصويره إمعانا في إهانته وإذلالـه!.
في هذه الحكايات البدائية التي لا زالت تعرض علينا في القرن الواحد والعشرين تعودنا قبل إسدال الستار على كل منها، أن يتحول المعتدي إلى ضحية، والضحية إلى معتد غاشم، يبحث هو وأبناؤه عن واسطة أو شفاعة لإخراجهم أولا من التوقيف وثانيا ليتنازل فلان ابن فلان (الـذي أوسعوه ضربا وإهانة) عن قضيته خاصة بعد أن أصبح من الصعب جدا إدانته في اعتدائه الأسبق على أحدهم أو تلطيخه لشرف العائلة، وبعد أن رفضت الجهة المختصة مجرد الالتفات إلى دفاع الأب وأبنائه على التهمة الموجهة ضدهم حين يدعون بأن ما قاموا به لم يكن اعتداء بل كان دفـاعا شرعيا عن النفس أو العرض !.
صحيح أن الدفاع الشرعي هو رد اعتداء غير مشروع حماية للنفس أو العرض أو المال، إلا أن له شروطا معينة، أولها أن يكون الخطر الواقع على المدافع موصوفا بالاعتداء، وثانيها أن تتناسب أفعال الدفاع مع جسامة الخطر، وثالثها (وهو الأهم) أن يكون الخطر حالا : أي أن يكون الاعتداء لم يبدأ بعد لكنـه على وشك البدء أو أن يكون الاعتداء قد بدأ لكنه لم ينته بعد، أما إذا كان الاعتداء قد انتهى فلا يتوافر هنا حق الدفاع الشرعي، حيث يحاكم الفاعل ويعاقب جنائيا، وبعد أن كان الحق معه يصبح الحق عليه !.