ابتكرت جماعة غربية منذ أكثر من ثمانين عاما عملية أطلق عليها فيما بعد مسمى (غسل الأموال) حيث قاموا باستثمار الأموال التي تحصلوا عليها بطرق غير مشروعة في إنشاء محلات لغسل الملابس الأوتوماتيكية من أجل إخفاء أصل تلك الأموال بضمها إلى الإيرادات اليومية للمغاسل فتخضعان معا للضرائب وبالتالي تصبح الأموال في هيئتها نظيفة، فتصلـح بعد ذلك للتداول المـالي والاقتصادي دون عائـق !
وقبل أيام قليلة حل علينا موسم الأمطار، وإذا كان سكان القرى والبادية في بلدنا الحبيب ينتظرون بفارغ الصبر هطول الأمطار الغزيرة، حتى تمتلئ الآبار، وينقشع الغبار، وتتزين الأراضي بالمساحات الخضراء فإن أهالي مدينة جدة (عروس البحر) يضعون أيديهم على قلوبهم لمجرد هطول زخات من المطر وألسنتهم تلهب بالـدعاء الصادق (جعله الله سقيا رحمة لا سقيا عذاب)! هناك أسئلة محيرة، دائما ما تطرق أبواب عقلي ومخيلتي، وأمنيتي أن أجد لأي منها إجابة شافية وكافية وهي: كم من الأموال التي حصلت بطرق غير مشرعة ؟! وكم من الأموال غير المشروعة التي أودعت في أمن وأمان لـدى البنوك المحلية ؟! وكم من الأموال غير المشروعة التي تم غسلها من خلال استثمارها في عدد من المشاريع التجارية ؟! ولماذا، لماذا ننتظر وقوع الكارثة حتى نتجرع الألم والحسرة والمرارة أولا ثم نكتشف بعد (زوال الغيمة) حقيقة تلك الأموال غير المشروعة ! هذه الأسئلة لم تأت من فراغ، وإلا لما احتاج المشرع قبل سنوات لسن (نظام مكافحة غسل الأموال) هذا النظام يعتبر مرتكبا للجريمة كل من قام بإجراء أي عملية أموال وهو يعلم بأنها ناتجة من نشاط إجرامي أو مصدر غير مشروع، كما يعتبر مرتكبا للجريمة كل من قام بحفظ أو تلقي أو تحويل هذه الأموال أو إخفاء أو تمويه حقيقتها وجعلها تبدو كأنها مشروعة المصدر، وقد منح هذا النظام المؤسسات المالية مثل البنوك ومحلات الصرافة مهام لمكافحة عمليات (غسل الأموال) من خلال القيام بالتحري بوسائلها الخاصة أو عبر السلطات المختصة عن مدى مشروعية الأموال التي أودعت لـديها والتي تشك في سلامتها!. إن المشكلة التي تعاني منها الأموال غير المشروعة ليست في مواجهة هذا النظام أو لائحته التنفيذية لأنهما يظلان حبرا على ورق ! مشكلة الأموال غير المشروعة أن مياه السيول الجارفة لا تنفع أبدا للقيام بعملية غسل الأموال! بل على العكس تماما فهي تعريها وتفضحها وتظهر للملأ مدى قبح ودناءة مغتصبيها!.