خلق الله تعالى هذا العالم وفق نظام موزون وأوزع فيه آليات تحفظ له صبغة العدالة والتوازن التي جعلها الله من السنن الأساسية في حفظ نظامه، ومن تلك الآليات آلية الحساب والعقوبة ودفع ثمن الأخطاء، وعلى هذه الآلية تقوم جميع أسس القضاء والعدالة والقانون والنظام في العالم، ومن يريد صيانة حقوقه وحرماته بدون أن يجعل عدوه يدفع ثمن تجاوزاته عليه فهو حالم مفرّط لا يضر نفسه فقط بل يضر بنظام التوازن والعدالة في العالم، لأن عدم محاسبة المعتدي يشجعه على المزيد من العدوان، ومن نقاط ضعف المسلمين الكبرى اليوم أنهم لم يتعلموا استغلال أدوات الحساب والعقاب التي يوفرها العصر الحديث، وهذا ما يشجع المعتدين عليهم على المزيد من العدوان طالما أن دماءهم وحرماتهم هي «ببلاش»، ولنأخذ عبرة من اليهود الذين لا زالوا حتى الآن يطاردون الحكومات الغربية وبنوك العالم من اجل التعويضات عن مظالم الحرب العالمية الثانية، ولذلك لم يعد هناك من يجرؤ في كل العالم على أن يلمز أي يهودي ولو بكلمة لأنه يعرف أنه سيدفع الملايين ثمنا لكلمته تلك عدا التشهير وملحقاته، وهذا ما أعطى كل ما هو يهودي قدسية استثنائية لدى العالم، وفي المقابل ماذا نرى لدينا، نرى أمة قتل منها الاستعمار الملايين وما زال حتى الآن وبدون أن ترفع ولا قضية تعويضات واحدة، ولو أن اللاجئين الفلسطينيين رفعوا قضايا تعويضات على إسرائيل لكان الحال غير الحال، وكذلك عائلات الأسرى المصريين الذين دفنوا أحياء، وكذلك ضحايا مفارم اللحم اليومية المستمرة منذ ستين عاما في الأراضي الفلسطينية، واليوم نرى تعمد استهداف البنية التحتية اللبنانية والمصانع اللبنانية، وإني أطالب وأرجو وادعو أن لا يتم التفريط في الحق العربي في المطالبة بالتعويضات عن كل إنسان ومبنى وجسر ومصنع استهدف في هذه الحملة البربرية الإسرائيلية، فلو تمت ملاحقة إسرائيل بالتعويضات عن جرائم اجتياحاتها المتكررة للأراضي العربية لكانت حسبت ألف حساب قبل أن تتورط في المزيد منها، وهنا تقع المسؤولية على أثرياء المسلمين لتمويل رفع تلك القضايا لأنها تتطلب الملايين، لكن للأسف نراهم مستقيلين تماما من أي دور في قضايا أمتهم، فمؤخرا تبرع الملياردير الأمريكي وارن بوفيت بـ37 مليار دولار للأعمال الخيرية هي معظم ثروته، فأين هي تبرعات أثرياء المسلمين ومساهماتهم في دعم قضايا أمتهم؟!! ولو أنهم قاموا بواجبهم ومولوا استثمار الإمكانيات الهائلة التي يقدمها العصر الحديث للتغيير بالوسائل المدنية السلمية لما شعر كثير من الشباب المسلم المتحمس لنصرة قضايا أمته بأنه لا خيار له للتأثير لصالحها إلا عبر العنف، فلو رأى فاعلية البديل لصدّق به، لكنه يسمع جعجعة عن تلك الوسائل السلمية ولا يرى طحنا يثبت له فاعليتها ويفتح أمامه آفاقها، ويجب أن لا ننتظر الآخرين ليتصدقوا علينا بالمساعدات أو بالثمن البخس الذي يضعونه لدمائنا، فبينما دفعت ليبيا عشرة ملايين عن كل شخص مات في حادثة لوكربي لـ270 أسرة، لم تدفع أمريكا قرشا واحدا عن أكثر من مائة ألف قتلتهم في أفغانستان ومثلهم في العراق عدا أمثال هذا الرقم من الذين قتلوا بعد الاحتلال وما نتج عنه من فوضى أمنية وعنف طائفي، وفي الحالات النادرة التي دفعت فيها تعويضات لبعض العراقيين عندما تكون الحادثة مفضوحة فالتعويض يتراوح ما بين 150 إلى 2500 دولار، فيا له من فرق فاضح بين قيمة حياة الإنسان المسلم وقيمة حياة الإنسان الغربي، وليس لنا إلا أنفسنا لنلومها على ذلك.

bushra_sbe@hotmail.com