السجين الذي يقبع خلف القضبان (والذي يفترض أنه يقضي عقوبة رادعة بسبب الجرم الذي ارتكبه) قد يحظى في أيامنا هذه بامتيازات خاصة جدا، حيث تتهيأ له فرصة نادرة للخلوة مع النفس من جهة، ومن جهة أخرى سيجد أمامه الطريق ممهدا لتأمين مستقبله (ولو لفترة بسيطة ومحدودة) إلى جانب تأمين حاجيات ومتطلبات عائلته الكــريمـــة (بعد أن عجز عن تأمينها خارج أسوار السجن) هذا السجين (يا سادة يا كرام) سيجد الجمعية أو الهيئة التي سترعى أسرته وتتكفل بتأمين متطلباتها الأساسية وتسديد قيمة الإيجار عنها، كل هذا يحدث تحت شعار: الأسرة أهم ركن من أركان المجتمع والعناية بها من أهــم العوامل الوقـــائية لجعلها أسرة متماسكة بتحسين مستوى حياتهم ومــد يــد العون لهم.
هذا السجين (يا جماعة الخير) إذا جافاه النوم وطال ليله، يمكنه الاستفادة من (برنامج الخلــوة الشرعية) والذي حرصت على تفعيله وتطويره المديرية العامة للسجون، حتى أنها أوجدت بعد ذلك دور خاصة لليوم العائلي وزيادة نسبية في فترات الزيارة والاتصالات الهاتفية، كل هذا يحدث تحت شعار: من أجل الحفاظ على حق الزوجة ورعاية زوجها السجين أمنيا واجتماعيا.
هذا السجين (كما أعلن عن ذلك مؤخرا) متى حن للفصول الدراسية وأراد مواصلة تحصيله العلمي، فيجب على الجامعات استقبال وتسريع إجراءات قبوله عبر الانتساب أو عبر نظام التعليم عن بعد (ليس هذا فقط) بل ويتم إعفائه من تسديد الرسوم الدراسية المستحقة، كل هذا يحدث تحت شعار: من أجل مشاركة مؤسسات المجتمع كل من واقع اختصاصه للمساهمة في احتواء السجين وتهيئة المناخ المناسب لـــه ليعــود عضوا صالحا في مجتمعه.
هذا السجين (يا طيبين) إذا مل من الجلوس في الزنزانة أو أرهقته البطالة بعد قضائه نصف مدة المحكومية، يمكنه أن يعمل خارج السجن وقت الدوام الرسمي، كل هذا يحدث تحت شعار: تأمين مستقبل السجين وتهيئته لإيجاد فرص عمل في القطاع الخاص بعد خروجه من السجن.
بالمقابل، هناك خارج أسوار السجن، يوجد شاب محترم وطيب (ماشي بجنب الحيط.. كما يقولون)، لكنه سجين ظروفه المادية الصعبة، سجين مشاكله الأسرية المتراكمة، سجين اختبارات القياس ورسوم القبول، سجين البطالة، سجين متطلبات أخرى تستحيل بدونها الحياة الكريمة، هذا الشاب، للأسف الشديد لا يجد من يلتفت إليه، لا تشمله المميزات المذكورة أعلاه، ولا تنطبق عليه الشعارات الجميلة والرنانة ! تهمته الوحيدة، أنه نظامي للغاية، ومسالم حد الضعف.. لا يعبث.. ولا منه خوف !.