في ثلاثينيات القرن العشرين، استطاعت عدة عصابات السيطرة على (مدينة مرسيليا) بما في ذلك الجهات القضائية والتنفيذية، ومن القصص الدالة على ذلك، أن أحد زعماء هذه العصابات تمكن من قتل ألد خصومه، فألقي القبض عليه، وعندما جاء شاهد الإدانة الوحيد ليقف أمام القاضي الذي حصل في المساء فقط على رشوة ضخمة لتبرئة زعيم العصابة، سأله القاضي: ماذا حدث بالضبط ؟
أجابه الشاهد في هدوء وثقة: كنت أجلس في مخزن المتجر في الساعة الثانية بعد منتصف الليل والضحية في الخارج، ثم سمعت طلقا ناريا، وعندما هرعت إلى حيث كان الصوت، وجدت الضحية جثة هامدة، والدماء تنزف من ثقب بين عينيه الجامدتين الجاحظتين، وهذا المتهم يقف أمامه ومسدسه في قبضته، والدخان يتصاعد من فوهته، ولم يكن هناك سواه.
عندها، عاد القاضي وسأل الشاهد بصرامة: هل رأيت المتهم يطلق النار؟ أجابه الشاهد ببساطة: كلا ولكن ( مظهره يؤكد أنه هو الفاعل) فلم يكد يراني حتى رمقني بنظرة قاسية ودس المسدس في جيبه وغادر المكان في هدوء وهو يتصور أنني لن أجرؤ على إدانته والشهادة ضده، مع هذا كله، عاد القاضي من جديد يسأل الشاهد بصرامة مخيفة: هل رأيت المتهم يطلق النار؟ أجابه الشاهد في حيرة: بل سمعت صوت الطلق الناري، وفي هذه الأثناء قاطعه القاضي في حزم قائلا له : هذا لا يعد دليلا كافيا ! ثم ضرب مائدته بمطرقته الخشبية مستطردا بكل صرامة: فلينصرف الشاهد !.
حينها احتقن وجه الشاهد من الغضب، فنهض من مقعده وأدار ظهره للقاضي وهتف بصوت مرتفع : يالك من قاض غبي وأحمق، عندها صاح القاضي وهو غاضب ومستنكر : كيف تجرؤ على إهانة هيئة المحكمة أيها الرجل ؟! إنني أحكم عليك بـ ... ، وقتها استدار إليه الشاهد وقاطعه وفاجأه بقوله : هل رأيتني أشتمك يا سيدي ؟ صاح القاضي في غضب: لقد سمعتك وسمعك الجميع، وفي هذه الأثناء قاطعه الشاهد مبتسما وهو يقول: هذا ليس دليلا كافيا يا سيدي! ليحتقن وجه القاضي وتضج القاعة بالضحك، حيث أدرك الجميع مغزى المفارقة، ووجد القاضي نفسه في مأزق يهدد سمعته ومستقبله، فلم يجد سوى أن يستسلم لرغبة الرأي العام ويحكم على زعيم العصابة بالإعدام، وكان هذا هو ( أول حكم إعدام ) يصدر بحق أحد زعماء مافيا مدينة مرسيليا !.
في زمننا الراهن (سمعنا ورأينا) مدنا أخرى ( في العالم) سيطرت عليها (عصابات الفساد) مبددة الأموال ومتسببة في إزهاق الأرواح، فهل يكفي هذا، لنحتفل في القريب العاجل بصدور أول حكم عادل!.