أحد المثقفين والكتاب الكبار (وهو صديق عزيز وقريب جدا إلى قلبي) عرف عنه الكتابة المستمرة الداعية لحوار المجتمع وحداثة الفكر والرافضة تماما للجهل المؤسس ولدوائر التلقين (وما شابهها). ذكر لي في أحد الأيام (وإن كنت لا أتفق معه فيما ذكره لكنني أحترم صراحته). إنه لا يستطيع تطبيق الأفكار والرؤى والمقترحات التـنـويـرية الـــتي اعـــتاد على كتابـتها ( لتبقى حبرا على الورق) خاصة عندما يكون وأفراد أسرته في زيارة لمسقط رأسه حيث يتعامل هناك ( وسط ذهول ودهشة من هم حوله) بأخلاق وصفات وشخصية ذلك الرجل الحازم الذي لم يدخل المدرسة ولا حتى (محو الأمية) ولا يزال يفلح الأرض ويقتات منها ولا يغادر القرية إلا للضرورة !
هناك من الناس من يتمسك في أحيان كثيرة بمواقفه الرافضة والمعادية أو بمواقفه الداعية والمشرعة، لبعض أوجه ومناحي الحياة، ليس من منطلق قناعته الذاتية، بل لأن جماعته أو التيار الذي يتبعه، ( والذي عرف من خلالهم) يعيبون أو يريدون ذلك، وقد يكرس حياته كلها لمناهضة أو دعم هذا التوجه فيسخر له أدبه وفكره وقلمه وحراكه الثقافي، لكنه يسقط عند أول مواجهة مع أصله وفصله، فيضطر إلى الكشف عن وجهه الأصلي تاركا لنا الاستفهام عن (صاحب الوجه الآخر ) !؟
كذلك الحال مع بعض المسؤولين والعاملين في الجهات القضائية (وبالأخص أولئك الذين يحبون الأضواء)، فحين تستمع إلى الواحد منهم في إحدى المناسبات أو الندوات أو المحاضرات التوعوية أو التدريبية فإنه يأسرك بكلامه وفكره وتطلعاته، حتى أنك تتمنى لو شرع ( الاستنساخ ) ليتم عمل نسخ متعددة من هذا الكادر العظيم ذي العقلية الفذة والفريدة، لكنك بالتأكيد لن تخرج بنفس الانطباع وأنت تحمل أوراقك وتغادر مكتبه الذي تتكدس عليه الملفات والمعاملات وقد تسببت المركزية أو الروتين الذي يعتمده ويتعامل به في تعطيل معاملتك لأسابيع وربما لشهور عديدة!.
من المعلوم أن بداخل كل منا رقيب، يفترض أن يفرض سيطرته ويراقب كل شاردة وواردة حتى يكون الإنسان واضحا وضوح الشمس، هذا ( الرقيب) تظل ( رتبته) لدى بعض الناس على حالها أي أنها تبقى دونما زيادة أو علاوة (بالرغم من سنوات الخدمة الطويلة) فيما يترقى بداخلهم الفكر والميول، الجاه والغرور، الغطرسة وحب الظهور، فتفرض سطوتها على ذلك الرقيب المسكين الذي لا يجد بدا من التسليم وربما ( التطبيع) وإطاعة الأوامر المشروعة وغير المشروعة!.