عندما تقرأ في الكتب القديمة المتخصصة في سير القضاء، أو عندما تشاهد أحد المسلسلات التليفزيونية التي تتحدث عن وقائع قضائية حدثت في الماضي البعيد، فإن أكثر ما يلفت انتباهك ويثير إعجابك هي السرعة والطريقة التي تنتهي بها كل قضية. إلا أنك لا تدري، هل بلوغ المدعي لحقه كاملا جاء كنتيجة حتمية لذكاء وكياسة قاضي المدينة ( كما يصرح بذلك بعد انتهاء كل قضية ) أم أنه الغباء المستفحل لذلك المحتال الذي غالبا ما يردد بعد وقوعه في الفخ الذي نصب له
(يا لحمقي .. ويا لـشدة غبائي).
بالطبع هناك ظروف أخرى ساعدت ناظر الدعوى في ذلك الزمن الأصيل لينجح في مهمته كما يجب إلى جانب علمه وعدله وأمانته، فإن عدد الدعاوى التي تعرض عليه في السنة الواحدة محدودة جدا وأنواعها تنحصر في الخلافات الزوجية أو التعاملات المالية البسيطة المرتبطة بنقض العهد أو خيانة الأمانة كما أن المتخاصمين في كل دعوى اثنان أو ثلاثة بالكثير، إضافة إلى أن القاضي كان يتمتع بالاستقلالية التامة التي تمنحه الثقة المطلوبة وتجعله قويا في الحق (لا يخاف في الله لومة لائم) حتى أنه
لا يتوانى للحظة عن طلب الوالي نفسه أو طلب رئيس التجار ليحضر إلى مجلسه القضائي (على وجه السرعة) !!
أما في زمننا هذا، فإنك تصاب بالإحباط وخيبة الأمل (وربما الضغط والسكر وتصلب الشرايين) عندما تقرأ في الصحف اليومية أن إجمالي الأموال التي تمكنت عصابات النصب والاحتيال الاستثماري من جمعها تصل إلى خمسة مليارات ريال، وأن أيا من القضايا المتعلقة بهذه الجرائم لم تنته بعد بالرغم من مرور سنوات عديدة على نشوئها، فقضايا (مساهمات بطاقات سوا) لازالت عالقة حتى يومنا هذا تبحث عن جهة قضائية تقبل نظرها، وكذلك الحال في قضية (لحوم المرعى) التي توقفت لفترة طويلة بسبب تعثر القبض على المشغل الرئيسي، وقضية (فلل الأحلام) التي طارت (وتبخرت معها أحلام الكثيرين) إلى جانب القضايا الأخرى المشابهة التي ذهب ضحيتها آلاف المواطنين، ومع أن حقوقهم الخاصة مثبتة وقائمة إلا أنهم للأسف الشديد لم تحل قضيتهم !؟..
ما نريد قوله هنا، أنه إذا كانت القصص القضائية التي حدثت في الماضي البعيد بأحداثها ونهاياتها لازالت تروى حتى يومنا هذا على اعتبار أنها نادرة من النوادر ( وفي هذا تعظيم لفطنة وذكاء القاضي) فإن هناك الكثير من القصص القضائية الواقعة في زمننا الحاضر يجب أن تمحى من الذاكرة تماما فهي مخجلة للغاية (وفي إعادة سردها تعظيم لخبث وعبقرية المتهم بالاحتيال) الذي تخلى عن ضعفه وهوانه وتخلى عن حمقه وشدة غبائه ( لمن .. الله أعلم ) !؟.