قبل أيام، شدني تعقيب وردني من إحدى السيدات تقول فيه: قبل أن يفكر البعض في مطالباته الملحة (المستفزة بعض الشيء) بمنحنا نحن النساء حق (قيادة السيارة) أو (رئاسة تحرير صحيفة) أو (السفر للخارج دون مرافقة أو موافقة المحرم) عليهم أولا أن يكثفوا من جهودهم تلك نحو المطالبة بمنحنا الحقوق الأولية والضرورية التي تكفل لأي منا العيش بسعادة واستقرار، ثم بعد ذلك يفكرون بما هو أبعد. عليهم أن يتحركوا بشكل جدي ومنتظم من أجل (القضاء) على تلك العادات والمعتقدات البالية والتي لازالت تنتقص من قدرنا، وتنكر غالبية حقوقنا، وتريد لنا العيش دائما في الظلام..
كانت هذه باختصار خلاصة أو مضمون التعقيب الذي بعثت به تلك السيدة، وأظن أن الكثيرات من نساء مجتمعنا يوافقنها الرأي والمشاعر، وليس هناك من دلالة أكبر وأوثق من القيام بزيارة واحدة للمحكمة العامة حتى يرى الزائر بأم عينه، وهو يتجول في أروقتها ومجالسها القضائية، الأعداد الهائلة والغفيرة من النساء اللواتي لجئن إلى هذا المكان، هربا من زمهرير الهجر والظلم والشقاق.
هناك نساء عديدات، يواجهن قضاياهن بمفردهن، الواحدة منهن لا ترتجي من هذه الدنيا سوى وقف (سنوات العضل) والزواج قبل فوات الأوان، أو أن تكون حصتها في التركة محفوظة ومصانة ولا يحق لأحد استنزافها أو إنكارها، بعضهن لا تريد إلا أن تنعم بدفء حضن صغارها بعد أن انتزعت منها الحضانة بالقوة، والبعض الآخر غاية آمالها وطموحها أن تضمن سير نفقتها ونفقة صغارها من خلال استقطاعها بشكل آلي ومنتظم ممن منعها وأنكرها لأشهر أو لسنوات عديدة (حتى لا تكره يوما على طرق باب الحرام).
الأكيد أن قضايا النساء خلف أسوار المحكمة العامة، أكثر تعقيدا وغرابة، وها هي سيدة أخرى توضح لي بأن لديها مطالبة يمنعها خوفها الشديد من تقديمها ضد أخيها ( فإذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي ) تدعي بأنه منعها وبقية أخواتها من حقهن الشرعي في التركة بحجة أنهن (حريم ) لا يرثن وفقا للعادات والتقاليد !..
فهل يمكننا إقناع هذه المرأة ومثيلاتها، بأننا لا نسخر من قضاياهن المهمة ولا نستخف بها عندما نعزف باستمرار على وتر المطالبات المسلية والترفيهية، أو عندما نوجه بوصلة مساعينا الحثيثة نحو منحها الحق في قيادة السيارة أو السفر دون محرم للسياحة !.