يوم الجمعة قبل الماضي صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية بأن مفارم اللحم الدائرة في فلسطين والعراق ولبنان وانهيار مؤسسات الدولة في هذه الدول والتدمير الشامل لبناها التحتية وملايين الحيوات التي تحطمت هي للدفع باتجاه ما أسمته بـ«الشرق الأوسط الجديد» وأن كل هذا هو«آلام مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد».
وحقيقة أن هذا القول منكر لدرجة يعجز الإنسان عن أن يجد الكلمات المناسبة لاستنكاره ورفضه، وإن دل على شيء فإنما يدل على مدى استهانة قائليه بقيمة حياة الإنسان العربي وكرامته وكبريائه الإنساني والوطني والقومي، وهو يماثل في نكارته وقبحه وقسوته قول وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أولبرايت عندما سئلت: «هل يستحق الهدف الأمريكي من وراء الحصار على العراق أن يموت أكثر من مليون عراقي وأكثر من نصف مليون طفل بسببه؟»، فقالت: «نعم إنه يستحق» فماذا لو جاء أحد الآن وصرح أمام الإعلام العالمي بأن تدمير برجي التجارة بنيويورك في أحداث11سبتمبر وما نتج عنه من ضحايا هو آلام مخاض لأمريكا جديدة تكون خاضعة لأجندة الجهات التي قامت بتلك الأحداث وأن تحقيق هذه الأجندة يستحق هذا الثمن، وأن الأمريكيين عليهم تقبل تلك الأجندة وثمنها بامتنان، فماذا سيحدث؟ ألن تنقلب الدنيا رأسا على عقب ثورة لحرمة الدماء والكبرياء الوطني الأمريكي، فلماذا ليس لدمائنا وحياتنا وكبريائنا وأرضنا نفس الحرمة والكرامة؟! خاصة أننا قد رأينا تحقق الغاية التي قالت أولبرايت إنها تستحق إزهاق أرواح مليون ونصف المليون عراقي بالحصار، فإذا هي المزيد من الموت والدمار والانهيار، وببساطة لا يمكن التعبير عن مقدمات المشروع الأمريكي في المنطقة إلا بأنه مفارم لحم تطحن وتعجن الأطفال والأمهات والناس بسياراتهم وبيوتهم وشوارعهم بلا حرمة ولا رحمة، وهذا كله لأجل مخطط نيروني لدى أسياد البيت الأبيض للعالم العربي والإسلامي، وللتذكير فنيرون(37-68) هو آخر أباطرة الإمبراطورية الرومانية ودخل التاريخ بمخططه المجنون لبناء «روما جديدة» بعد إحراقها بمن فيها-64م- وبعد حوالى ألفي عام ها نحن نرى ذات المخطط يعود للحياة من جديد عبر رؤية عبثية عنصرية انتهازية للمحافظين الجدد، ولذلك لم نعد نملك رفاهية التشرذم والعشوائية، فإن لم نضع لأنفسنا رؤية شاملة تكون معززة بتأييد الشعوب فجهات خارجية ستأتي وتفرض رؤاها الخاصة التي سندفع نحن ثمنها ثلاثة أضعاف، ضِعف لمقدماتها التي نراها في فلسطين وأفغانستان والعراق ولبنان، وضِعف آخر لإقرارها وما سينتج عن ذلك من فتن بين تيارات مؤيدة لها وأخرى معارضة، وضِعف ثالث عند فشل هذا المشروع الأمريكي في المنطقة وهو سيفشل بلا شك لأنه أشبه بزراعة عضو غريب، ودائما الجسد يرفض كل دخيل عليه فإما أن يُضعف جهاز المناعة بكامله حتى يضعف رفض الجسد للعضو الدخيل وبالتالي يتركه نهباً لكل الأمراض أو يعرض الجسد لمعركة الرفض التي عادة ما تكون قاتلة، وما يدهش ويصدم حقا هو مدى انفصام أسياد البيت الأبيض عن أرض الواقع وسنن التاريخ والحقائق النفسية والعقلية الجماعية للأمم، فلا توجد أمة في التاريخ تمكنت أي قوة خارجية من فرض نموذج هيمنتها عليها واستمر هذا النموذج بدون أن يولد ردة فعل عكسية، وأمريكا ذاتها هي مثال على ذلك، فمحاولة بريطانيا أعظم قوة في ذلك الزمان فرض نموذج هيمنتها على سكان أمريكا الشمالية ولد رد فعل عكسياً لديهم وشجعهم على الثورة وخوض حرب الاستقلال، وبالمناسبة فخطة نيرون دفعت الشعب للثورة ضده فانتحر.
فالمخطط النيروني الأمريكي لإقامة ما يسمونه بالشرق الأوسط الكبير أو الجديد هو أشبه بإقامة بناء على قمة زوبعة إعصار مدمر.

bushra_sbe@hotmail.com