عند أي مطالبة أو مشكلة تواجهك صغيرة كانت أم كبيرة، يكتنفها الغموض أو هي ظاهرة للعيان كالنور عليك أن تقيم دعوى لدى الجهة القضائية المختصة، عليك أن تتقيد تماما بالإجراءات والمواعيد والجلسات وإلا فلن ينظر في موضوعك، ولن يبت أبدا في طلباتك، إذا لا فرق هنا بين مطالبة متشعبة ومعقدة تحتاج إلى نظر، ومطالبة واضحة وجلية لا تحتاج لأكثر من الحزم مع المدعى عليه لإعادة الحق لصاحبه هذا الجمود في التعامل مع كافة الدعاوى على حد سواء، للأسف الشديد لن يشعرك بعظمة وأنفة وسيادة القانون ــ كما هو المتوقع منه ــ بل على العكس تماما سيشعرك بالإحباط وخيبة الأمل خاصة عندما تجد ذلك الجمود وهو يذوب ويذوب كشمعة وقادة ليضيء الطريق لخصمك المدعى عليه فيبدع ويتفنن من جهته في المماطلة والتسويف وإنكار حقوقك وحقوق الآخرين.
نعم هناك مطالبات الحق فيها بين كرابعة النهار، ومع هذا ترفض الجهة التنفيذية بشكل رسمي قبولها وتشترط لذلك أن يصدر فيها أولا حكم أو قرار نهائي قابل للتنفيذ من قبل المحكمة أو اللجنة المختصة وكل هذا مع احترامي الشديد (مضيعة وقت ليس إلا) والحكم الذي سيصدر لاحقا في مثل هذه المطالبات لن يخرج عن مفهوم (وفسر الماء بعد الجهد بالماء) وإلى قبل عشر سنوات تقريبا كان يمكن لأي شخص اللجوء مباشرة إلى (إدارة الحقوق المدنية) مطالبا بإعادة حقه إليه متى كان بيده مستندات أو أوراق مكتوبة تحمل توقيع أو بصمة المدعى عليه، ويظهر منها ثبوت الحق المدعى به وحلول موعد استحقاقه، وغالبا ما كانت تنتهي الخصومة في حينه (نظرا لهيبة المكان والحزم والجدية التي كان يلقاها الممتنعين عن السداد) ونادرا ما كانت تحال معاملة للجهة القضائية، إلا حين ينكر المدعى عليه الدين من ناحية نشأته أو سببه أو انقضائه لأي سبب كان كالوفاء أو الإبراء أو المقاصة.
بعد أن أقفل هذا الباب تماما، دون أن يكون هناك الحل أو البديل الأمثل، أصبحت مئات الدعاوى والمطالبات ترد في اليوم الواحد إلى المحاكم واللجان القضائية، حتى ضاقت من كثرتها السجلات وبسببها تأجلت وتباعدت مواعيد الجلسات، فمتى يعود الخوف إلى قلوب من اعتادوا أكل أموال الناس بالباطل، متى يكفوا عن تهكمهم وسخريتهم ممن يهددونهم باللجوء إلى القضاء، ومتى تعود (الحقوق المدنية) إلى الناس بعيدا عن (الحبال الطويلة) للمحاكم الأولية والاستئنافية والعليا؟!