تجمعنا الصدفة أحيانا، بشخص نراه لأول مرة، ومع هذا نشعر وكأننا نعرفه منذ سنين عديدة حيث نرتاح إليه، وفي المقابل نلمس مدى ارتياحه الشديد لنا، كل منا يرى في الآخر ما يعكس شخصيته أو ما يتطابق إلى حد كبير مع مبادئه ومثله وأخلاقه، الأمر الذي ينتج عنه في غالب الأحيان توافق كبير في الرؤى والمشاعر والأحكام، فيبدأ حديثنا وينتهي ونحن نردد (صدقت .. والحق معك) إلا أن هذا كله يظل كلاما في كلام، ليس له في الغالب أثر ملموس ولا تبعات.
لكن ماذا لو حصل ذلك في مجلس الصلح أو القضاء، بمعنى أن يؤثر مثل هذا اللقاء وهذه المشاعر الفياضة فتميل النظرة الإيجابية ــ بشكل فطري ــ ومن (أول جلسة) إلى أحد أطراف الخصومة لمجرد مظهره (الملتزم) أو عذوبة لسانه أو النهج الذي يتبعه، فيما الطرف الآخر في القضية لا يجد التعامل المطلوب ولا مجرد القبول حتى بات يردد في سره وعلنه: (يا أعدل الناس إلا في معاملتي .. فيك الخصام وأنت الخصم والحكـم).
متى حدث ذلك، فإن الحكم يصبح مقبولا إلى حد كبير إذا اعتمد مصدره على (الظاهر) في غياب القرائن والأدلة.
لكن الحكم يصبح مشوبا بالملاحظات العديدة حين يعتمد مصدره فقط (على علمه أو ما يخالف علمه) دون الاعتماد على (الأدلة المقدمة إليه أثناء نظر القضية) ومثال ذلك: مما نص عليه نظام الإجراءات الجزائية أنه (يجوز لرجل الضبط الجنائي في الأحوال التي يجوز فيها القبض نظاما على المتهم أن يفتشه ويشمل التفتيش جسده وملابسه وأمتعته وإذا كان المتهم أنثى وجب أن يكون التفتيش من قبل أنثى يندبها رجل الضبط الجنائي ). ومما نص عليه النظام أيضا أنه ( ولا يكون التوقيف أو السجن إلا في الأماكن المخصصة لكل منهما).
والسؤال هنا: ماذا لو تمت إجراءات الضبط والتفتيش خلافا لذلك وممن لا يملك الصلاحية أو بعضا منها كأن (يتطوع) رجل أو أكثر لينسبوا جرما معينا إلى امرأة ( عابرة سبيل ) ولا يكتفون بذلك بل يباشرون تفتيشها بأنفسهم ومن ثم إيقافها في غرفة غير مخصصة للتوقيف أصلا، فهل ننتظر في حال تقديمهم للمحاكمة أن يكتفي ناظر الدعوى بالصلاح والزهد وملامح التقوى الظاهرة جليا على (هيئة) كل منهم، أم أنه سيعتمد في حكمه على القرائن والأدلة التي أمامه، وفيما لو صدر الحكم بالإدانة، هل سيؤثر ظاهرهم على تقدير العقوبة أم لا؟..
أترك الإجابة على هذا المثال الحي للأيام القادمة وللعدالة المنتظرة.