إذا أردنا مدح شخص ما، قلنا: إنه رجل مُجرب، ومحنك، وذو خبرة في الحياة، وهذه الصفات كلها لا تخرج عن مكانة التجربة في حياة هذا الشخص.
والتجارب أنواع: قد تكون معملية مختبرية، وهي أساس الاختراعات والاكتشافات ومن ثم فهي عمود من أعمدة التقدم والازدهار. وقد تكون التجربة معيشية حياتية، وتراكماتها تصقل المرء وتصوب أفكاره وسلوكه، ومن ثم يختلف شخص عن آخر. وقد تكون التجربة شعورية وجدانية، وهذا نوع من التجارب يهذب المشاعر، ويبعد عنها الخبث، فتصفو النفس وتسمو.
بل وقد تكون التجربة خيالية أو فكرية، ويتمخض عنها كذلك ما تسمو به النفس، وترقى به الحياة.
أما ماهية التجارب فحدث عنها ولا حرج، فهي ليست زاهية أو وردية أو ناجحة أو سارة على الدوام، فقد تكون عكس ذلك تماماً: قاتمة مؤلمة فاشلة محزنة.
ولست في هذا المقام من المحدثين عن «التجارب الوردية»، فهذه ربما أقل تأثيراً في حياة المرء وإنما حديثي عن تلك التي يخرج المرء منها أكثر قوة وصلابة، وأشد عوداً وصبراً.
قال تعالى: }أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب|.
فكلما زادت تجارب المرء قسوة، ازداد قوة ونقاء وطهارة نفس، حتى يصل إلى درجة عالية من الحكمة والمعرفة. يقول شاعر فرنسي: لا شيء يجعلك عظيماً غير ألم عظيم.
وأتذكر قول شاعرنا المتنبي:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا
فأهون ما يمر به الوصول
وتعود ذاكرتي إلى مقولة للكاتب مصطفى أمين إذ أن العظمة عنده ليست وساماً بعد وسام ولا منصباً إثر منصب، ولا ألقاباً ولا جوائز أو هبات، لكن العظمة معناها: ألم ومثابرة وصمود وصبر.. ودموع ودماء وتضحيات.
فإذا أردت أن تكون عظيماً فلا تنتظر الأوسمة أو المناصب أو الألقاب أو الجوائز، وإنما انتظر الابتلاءات والاختبارات وتسلح بالمثابرة والصمود والصبر، وما يتطلبه ذلك من دموع ودماء وتضحيات.
ويمكن للمرء أن يتسلح بالتجارب -على حد قول أحد الفلاسفة- ومن ثم عليه بمصدرين:
الأول هو الكتب القديمة والحكم الإنسانية التي هي كنز للذكريات، والثاني هو مشاركة الفرد في أحداث الحياة. فهل نسعى معاً كي نتزود بالتجارب الضرورية لنا لمواجهة أحداث الحياة؟!
فلنعد إلى كتب الأقدمين: علماءً وأدباءً وفلاسفة، ولنشارك بإيجابية في معترك الحياة، فالجهل مدمر، والعزلة قاتلة ومواجهة الحياة بحلوها ومرها، بآمالها وآلامها، وأفراحها وأتراحها ضرورة، فكلما زاد صهر الذهب في النار، ارتفع نقاؤه، وزادت طهارته، وغلت قيمته.
Dr_Rashed@hotmail.com