أصبح من الشائع أو من المفهوم لدى الكثير من المتهمين، أنه بإمكان الواحد منهم الرجوع عن اعترافاته المثبتة بمحاضر الضبط والتحقيق، لذا تجده ينكر تماما تلك الاعترافات بداية عرضه للمحاكمة، مدعيا بأنها انتزعت منه تحت طائلة الإكراه المعنوي أو المادي، وسواء صح ادعاؤه أو لم يكن له أي أساس من الصحة، فإن هذا الأمر يعني لدى القاضي ناظر الدعوى وجود شبهة تستدعي الوقوف عندها والعمل بالقاعدة الشرعية التي تدعو إلى درء الحدود بالشبهات.
هناك من المختصين والمطلعين من يرى أن وجود مثل هذه الفجوة يعد أمرا إيجابيا وعادلا في حق المتهم، خاصة إذا لم تمنحه جهات الضبط والتحقيق بعض أو كل حقوقه وضماناته المنصوص عليها في نظام الإجراءات الجزائية كأن تقوم ــ على سبيل المثال لا التأكيد ــ بإيقافه أو سجنه بخلاف المدة المحددة له من السلطة المختصة، أو تعامله بشكل لا يحفظ له كرامته، أو تعرضه للإيذاء الجسدي أو المعنوي أو لا تعطيه الحق في الاتصال بمن يرى ضرورة إبلاغه بما هو فيه، أو لا تمكنه تماما من حقه في الاستعانة بمحام للدفاع عنه خلال مرحلة التحقيق.
وهناك جانب آخر يرى أن الثقة الممنوحة لجهات التحقيق يجب أن تنعكس أيضا على نتائج أعمالها، فيؤخذ بها كما هي، أما أن يترك الأمر حتى يصل المتهم إلى مرحلة المحاكمة ثم يصبح ادعاؤه ضد مجريات التحقيق مسلما به، ففي ذلك إهدار واضح لوقت وجهد الجهات المختصة بالتحقيق، وفي ذلك أيضا فرصة ثمينة قد لا تعوض للمجرمين للإفلات من الإدانة والعقوبة التي تنتظرهم.
من جهتي أرى أن العبرة ليست في تميز جهة عن الأخرى، بل هي في ضمان منح المتهم كامل حقوقه النظامية سواء أكان ذلك خلال مرحلتي الضبط والتحقيق أو خلال مرحلة المحاكمة، وحتى يتحقق ذلك لابد من زيادة دعم وتوسيع الصلاحيات الفعالة لهيئة حقوق الإنسان في الوقوف على البلاغات التي قد تصلها بهذا الخصوص عن أي من الجهات المعنية، بحيث تضمن جهة التحقيق الأخذ بنتائجها، وفي المقابل يضمن المتهم الاحتفاظ بوصفه بريئا حتى تثبت إدانته، وليس العكس.