ما هو سر النصر والتقدم ؟ ما هو سر العبقرية والإبداع ؟ أسئلة حيرت الفلاسفة والمتخصصين الذين حاولوا التوصل لحقيقة تلك الأحوال المتفوقة، فما الذي يجعل شخصين يحملان نفس الدرجة العلمية يكون لأحدهما تفكير عبقري مبدع ويتوصل لنظريات ثورية، كما هو الحال مع المثل الأشهر في هذا المجال (أينشتاين) صاحب نظرية النسبية التي أحدثت ثورة علمية بينما زملاؤه الذين يحملون نفس الدرجة العلمية لم يستطيعوا أن يكونوا أكثر من مدرسين للنظريات التي كان يتوصل إليها، والأمر ذاته ينسحب على المكتشفين والمبدعين والعظماء والقادة التاريخيين، وقد توصل العلماء الذين درسوا ظاهرة العبقرية والإبداع في كل مجالات الحياة إلى أنه بالإضافة للمؤهلات والإمكانيات الفطرية التي يولد بها هؤلاء الأشخاص المميزون، فالعامل الحاسم لتحولهم لعباقرة وعظماء هو ما يسمى «بالتفكير خارج الصندوق» بمعنى أن الإنسان في جميع المجتمعات ينشأ ويتبلور وعيه فيما يشبه الصندوق المغلق من المألوفات والقوالب الثقافية والحضارية والنفسية السائدة في ذلك المجتمع، والأمر المختلف في الشخص العبقري أو العظيم هو أنه بدل أن يعيش في داخل هذا الصندوق من القوالب التقليدية الجاهزة يجد نفسه مدفوعا لرؤية العالم من منظور مختلف ومتجرد عن هذه القوالب، وهذا ما يجعله يرى ما لا يراه الآخرون ويدرك ما لا يدركه الآخرون، وهذا ما يفتح عليه رؤى جديدة وفريدة لعالمه(إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، فبيت القصيد هو أن ينفتح الإنسان على كل الإمكانيات والاحتمالات العظيمة التي يمكن تحقيقها والتوصل إليها في هذا العالم وأن لا يقنع بكل سائد مستقر(واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر) وهذا في معرض بيان صفات الضالين الخاسرين، فما من تأخر علمي أو حضاري أو هزيمة إلا وسببها أن الناس لم تكن بحق منفتحة على إمكانية النصر والتقدم والاكتشاف والتميز، فإن تقول أنك تريد شيئا وتخطب فيه بديباجات طويلة هو أمر وأن تعتقد من دواخلك أنك أهل له وأنه غايتك الحقيقية هو أمر آخر مختلف تماما، وإذا كنت تشعر أن حياتك جافة وبائسة وضيقة وأنك لم تحقق أحلامك فاعلم أن السبب أنك من دواخلك لم تكن منفتحا على العالم بما فيه الكفاية لينفتح هو عليك، ومعنى أن تنفتح على العالم أي أن لا تكون لديك عصبية لأي شيء ضد أي شيء، وإنما تعتمد القاعدة(الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها) وهو حديث يشير إلى أن المؤمن منفتح على كل مورد يمكن أن ترده منه الفائدة والخير، وأن تكون لك طموحات وأحلام كبرى وأن تدفع نفسك إلى أقصى الحدود لبلوغها، فالذين ابتكروا كل وسائل التكنولوجيا والاتصالات والمواصلات الحديثة ووصلوا للفضاء وللقمر هم أشخاص حالمون كان لديهم حلم وانفتحوا بالكامل على كل معطيات العالم لبلوغه، ومشكلتنا في العالم الإسلامي ليس فقط الانغلاق الثقافي إنما الانغلاق النفسي والروحي والعقلي عن كل الاحتمالات والإمكانيات الأكبر والأجمل والأمجد في الحياة، فقد انغلقت النفسية الجماعية للعالم الإسلامي على ثقافة العجز، وبالرغم من كل الشعارات فالنفسية الجماعية للمسلمين لم تعد منفتحة على ما يخالف واقعها البائس الذي تعيشه، وهذا هو أكبر فخ يمكن أن تقع فيه أي أمة، أما كيف نحقق الانفتاح في النفسية الفردية والجماعية على احتمالات النهضة والتقدم والمجد لتنفتح علينا فهو بأن نفعل ما يجعلنا نشعر أننا أهل لها وهو بالطبع الأخذ بالسنن والأسباب بكل أبعادها النفسية والعلمية والعملية والحضارية والموضوعية، فكما يقال (الدعاء بدون عمل كالرمي بدون وتر).
bushra_sbe@hotmail.com