على الرغم من مرور مدة طويلة، إلا أنني ما زلت أسترجع ذلك المنظر كلما كانت لي جلسة في المحكمة، حيث رأيت في إحدى الأسواق الكبرى وجها سمحا ومألوفا لدي كثيراً ، إنه فضيلة القاضي الذي انتظرت نصف نهاري أمام مكتبه لأبدأ مرافعتي أمامه، كان في معيته وهو يتسوق حرمه المصون واثنان من أبنائه ولا أدري لم توقفت حينها كثيراً عند هذا المشهد العادي، هل لأنني أعي جيداً مــدى حاجة القاضي إلى الوقت من أجل البحث والاطلاع في المراجع التأصيلية المتعلقة بمحيط عمله ليكون متابعاً للاجتهاد وأحكام النوازل المستجدة، أم لأنني تذكرت عبارات اللوم والتأنيب الموجهة إليه سراً وعلناً من المراجعين والمتداعين قبيل وأثناء وبعد الجلسات، أم لأنها الوهلة الأولى التي أشعر فيها أنه بشر مثلنا له حياته العائلية الخاصة بكل همومها وآمالها وتطلعاتها.

هذا القاضي تم نقله فيما بعد من المحكمة العامة إلى المحكمة الجزئية لاستمراره في تأخير إنهاء الدعاوى قبل أن يترك القضاء أخيراً ويتجه لفتح مكتب محاماة واستشارات قانونية ليرتاح بعض الشيء، حيث إن له مطلق الحرية في قبول أو رفض القضايا التي يتوكل عنها مكتبه، إضافة إلى أن ساعات عمله اليومية لا تبدأ فعلياً إلا من العاشرة صباحاً، لقد كان هذا القاضي يأسرني بعلمه وأخلاقه وصفاته المثلى، فهو حليم وعفيف وحازم بغير عنف، لكن أعداد القضايا الكبيرة والمتنوعة والمهولة التي كانت ترد إلى مكتبه إضافة إلى رحابة صدره وسعة باله وإلى تمسكه ببعض الإجراءات الإدارية الروتينية كانت كفيلة بإطالة أمد التقاضي أمامه، ومن ثم تسجيل الملاحظات وتخفيض الدرجات التقديرية عليه.

صحيح أن الغالبية العظمى من المتقاضين يعيبون على القاضي بطء أو قسوة أحكامه، وربما يكون لكل منهم أسبابه الموضوعية، لكن ذلك يجب ألا يؤدي بأية حال من الأحول لاتهام القضاة في ذممهم وإصدار أحكام تعسفية في حقهم.

نعم العدالة مطلوبة، ومن الواجب تحقيقها للجميع، وهناك مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق كل قاض زادها تعقيداً تنوع القضايا لديه، فهذه قضية شبه تجارية وأخرى جنائية وثالثة مدنية ورابعة أحوال شخصية، وما بينها ينظر معاملات إنهاء تتعلق بورثة أو قصر وخلافه، كل هذا، والمحصلة النهائية استياء وملاحظات وعدم رضا من قبل المراجعين والمتقاضين.