أقترح على زملائي وزميلاتي، الكتاب والكاتبات، عدم الاستمرار في محاولة نقاش «التفاصيل» المتعلقة بما حدث في مدينة جدة.. سنتوه يا قوم ونحن نحث خطى الأقلام بحثا عن إجابات شجاعة شفافة، وسيذهب كل كلامنا في الهواء، وإذا أردتم الدليل الأولي على صحة ما أقول راجعوا «بعض» تصريحات المسؤولين في صحف الأمس، وهذه الصحيفة بالذات.. فهذا مدير عام الدفاع المدني في منطقة مكة المكرمة يستبعد أن يكون هناك أي تقصير من أي قطاع، ويؤكد قائلا: «التقصير غير موجود، وهذه قدرة الرب، الأمطار التي حدثت لم تشهد جدة مثيلا لها».. وهذا وزير النقل يؤكد أنه «لا أخطاء هندسية في الطرق والجسور».. والأهم من كل هذا بعض تفاصيل الحوار الذي أجرته الصحيفة مع أمين جدة، الذي استطاع ببساطة امتصاص الحرقة في أسئلة المحرر الحزين الذي يبحث «واهما» أو «متفائلا» عن إجابات تشفي غليله..
بالتأكيد كلكم قرأتم الحوار الذي تحدث عن «المفاجآت» التي واجهتها الأمانة، و«الخطط» التي ستنفذها، و«الدراسات» التي تقوم بها، و«المواصفات العالمية» لشبكات التصريف التي تجاوزت كمية الأمطار قدرتها الاستيعابية.. إلخ.. إلخ... شخصيا، أرجو أن تسمحوا لي باستقطاع جزئية من الحديث ربما تكون هي مربط الفرس الأكبر، أي «المشكلة الكبرى»، إنها الجزئية التي يقول فيها الأمين: «جدة لم تحظ خلال العقود الماضية بخدمات بنية تحتية ملائمة للمياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، وافتقرت إلى التخطيط المتكامل لإدارة المرافق، وأدى ذلك إلى عدم مواكبة البنية التحتية لنمو المدينة، ولم تراع الشبكات المنفذة حاليا الطلب المستقبلي واحتياجات التوسع المتوقعة على المدى الطويل».. هذا ما أشرنا إليه في مقال الأمس، وربما هو الشيء الوحيد الذي نتفق عليه مع الأمين، وإذا كان قد أشار إلى «العقود الماضية» فإنه من المهم جدا تنبيهه إلى الجملة التي أراد الله أن تفلت منه، وهي (ولم تراع الشبكات المنفذة» حاليا «الطلب المستقبلي واحتياجات التوسع». هنا يا معالي الأمين أنت تتحدث عن «حاليا»، أي ما يجري تنفيذه الآن، أي ما أنتم مسؤولون عن تنفيذه، فلماذا أطال الله عمركم لم يراع الطلب المستقبلي واحتياجات التوسع؟؟.. ألا ترى أننا هكذا نعود إلى نقطة الصفر، ونكرر أخطاء الماضي؟؟؟..
أعود إلى ما بدأت به المقال، أي نصيحتي للزملاء والزميلات بعدم إضاعة الوقت في نقاش المسؤولين «الأشخاص» لأنهم جاهزون لدلق أية إجابات على رؤوسنا، وبدلا من ذلك دعونا نحاول فتح ملف أهم هو ملف «الأنظمة» التي سمحت بممارسة التقصير والإهمال والتسيب، وبتبريره على الملأ أيضا.

habutalib@hotmail.com